تناولت وسائل إعلام ووكالات أنباء عربية ودولية، على نطاق واسع، زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، في ظل احتفال القاهرة وبكين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط تأكيدات على تنامي الشراكة الاستراتيجية واتساع مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة باعتبارها الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ نحو عقد، بعد زيارته السابقة للقاهرة عام 2016، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين تطورًا لافتًا، مدفوعة بتوسع الاستثمارات الصينية في مصر، والتعاون في مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة، إلى جانب التنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

أسوشيتد برس: زيارة شي تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الاقتصاد

وسلطت وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية الضوء على زيارة شي جين بينج إلى مصر، معتبرة أنها لا تقتصر على تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وإنما تحمل دلالات استراتيجية أوسع في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

وأشارت الوكالة إلى أن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني يعكس رغبة بكين في بناء علاقة أكثر عمقًا مع مصر، باعتبارها دولة ذات نفوذ إقليمي وموقع استراتيجي مهم.

وأضافت أن الصين تسعى من خلال تحركاتها الدبلوماسية إلى تقديم نفسها باعتبارها قوة داعمة للاستقرار في المنطقة، بالتزامن مع تعزيز حضورها ونفوذها عبر أدوات القوة الناعمة والتعاون الاقتصادي والتنمية.

ووصل الرئيس الصيني إلى القاهرة وسط استقبال رسمي، حيث تزين مطار القاهرة بالأعلام المصرية والصينية، وكان في استقباله الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مراسم رسمية عكست أهمية الزيارة.

وشملت الزيارة جولة للرئيس الصيني في المتحف المصري الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة، في إطار الاهتمام الذي توليه بكين للعلاقات الحضارية والثقافية مع مصر.

70 عامًا من العلاقات.. وشراكة تتجاوز السياسة والاقتصاد

وتأتي زيارة شي جين بينج بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عام 1956، وهي مناسبة حرص البلدان على الاحتفاء بها عبر تصريحات ومقالات تناولت مسيرة العلاقات الثنائية وتطورها على مدار العقود الماضية.

وأكد الرئيس الصيني أهمية مواصلة توسيع التعاون العملي بين البلدين، فيما أشاد الرئيس السيسي بالتعاون والاستثمارات الصينية في مصر، مجددًا موقف القاهرة الداعم لمبدأ «الصين الواحدة» فيما يتعلق بتايوان.

وشهدت العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والنقل والعلوم والتكنولوجيا، فضلًا عن التعاون الثقافي والأثري.

والتقى الرئيسان المصري والصيني أكثر من عشر مرات على مدار أكثر من عقد، بما أسهم في توفير دعم سياسي رفيع المستوى لمسار العلاقات الثنائية، ودفع التعاون بين البلدين إلى مستويات أكثر تقدمًا.

الصحافة الصينية تبرز أهمية الزيارة

من جانبها، تناولت صحيفة «الشعب» الصينية الزيارة المرتقبة تحت عنوان «تعميق الوحدة والتعاون ورسم خريطة طريق للتعاون»، مشيرة إلى أنها تأتي بعد نحو عشر سنوات من آخر زيارة لشي جين بينج إلى مصر، وتتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وأبرزت الصحيفة تطور الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين، إلى جانب نمو التعاون الاقتصادي والصناعي، وحجم التبادل التجاري والاستثمارات الصينية في مصر.

كما ركزت وكالة «شينخوا» الصينية على البعد الحضاري والثقافي للعلاقات المصرية الصينية، في تقرير حمل عنوان «رؤية شي.. رؤية الرئيس الصيني للحضارات تلهم التبادلات بين مصر والصين».

وأشارت الوكالة إلى اهتمام شي جين بينج بالحضارة المصرية القديمة، مستشهدة بمقال سابق نشره في صحيفة «الأهرام» عام 2016 قبيل زيارته للقاهرة، تناول فيه الحضارة المصرية ونهر النيل.

كما سلطت «شينخوا» الضوء على التعاون الأثري بين البلدين، والبعثات الأثرية المشتركة، والمعارض التي تستعرض الحضارة المصرية في الصين، فضلًا عن تنامي تعليم اللغة الصينية في مصر.

تعاون صناعي واستثمارات في قناة السويس

وفي السياق ذاته، نشرت وكالة «مهر» الإيرانية تقريرًا تناول زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، واعتبرتها خطوة تستهدف تعزيز العلاقات الصناعية بين البلدين.

وأشار التقرير إلى نمو العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة، وتوقيع البلدين اتفاقية شراكة استراتيجية، إلى جانب التعاون في إطار مبادرة «الحزام والطريق»، والمشروعات التنموية والاستثمارية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

كما تناولت وسائل إعلام روسية الزيارة، حيث سلطت «روسيا اليوم» الضوء على المباحثات المرتقبة بين الرئيسين السيسي وشي جين بينج، والملفات التي يمكن أن تتصدر أجندة اللقاء، سواء على صعيد التعاون الثنائي أو القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتطرق موقع «المبادرة الإفريقية» الروسي إلى المشروعات المشتركة بين البلدين، خصوصًا في قطاعات الكهرباء والبنية التحتية والنقل، معتبرًا أن توسع الاستثمارات الصينية يعكس اتساع نطاق التعاون الاقتصادي بين القاهرة وبكين.

القاهرة بوابة استراتيجية لمبادرة الحزام والطريق

ولم تقتصر التغطية الدولية على وسائل الإعلام الصينية والروسية، إذ وصفت منصة «مودرن دبلوماسي» الصادرة من لندن مصر بأنها «بوابة استراتيجية وممر حيوي» لإنجاح مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، مشيرة إلى المكانة الجيوسياسية التي تتمتع بها القاهرة ودورها المحوري في المنطقة.

ورأت المنصة أن زيارة الرئيس الصيني تعكس أهمية الدور المصري بالنسبة إلى بكين، خصوصًا في ظل الموقع الاستراتيجي لمصر واتصالها بالأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، فضلًا عن أهمية قناة السويس في حركة التجارة العالمية.

كما ركزت «اقتصاد الشرق مع بلومبرج» على الجانب الاقتصادي من الزيارة، مشيرة إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين، إلى جانب الطموحات المتعلقة بتوسيع الاستثمارات والمشروعات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وفي هونج كونج، سلطت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» الضوء على البعد الاستراتيجي للزيارة، معتبرة أنها تعكس مستوى الثقة المتبادلة بين القاهرة وبكين، ورغبتهما في تعزيز المصالح المشتركة ودعم الاستقرار الإقليمي.

التعاون المصري الصيني.. نموذج لدول الجنوب العالمي

وأبرزت شبكة التلفزيون الصيني المركزي «CGTN» متانة العلاقات المصرية الصينية، معتبرة أن التعاون بين البلدين يمكن أن يفتح فصلًا جديدًا أمام دول الجنوب العالمي.

وحددت الشبكة عددًا من المجالات التي يمكن أن تشكل أولويات جديدة للشراكة المصرية الصينية، من بينها التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وسلاسل القيمة، والطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي والزراعة الذكية.

كما أشارت إلى إمكانية الاستفادة بصورة أكبر من الموقع الجغرافي لمصر لإنشاء منصات تصدير إقليمية تربط بين آسيا وأفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

وأكدت أن التعاون بين القاهرة وبكين يمكن أن يشكل نموذجًا للتعاون التنموي بين دول الجنوب، خاصة في مجالات التمويل والتكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة النظيفة.

تحركات شي الخارجية تسبق قمة مرتقبة مع ترامب

وفي قراءة أوسع للتحركات الصينية، تناولت شبكة «CNBC» الأمريكية الجولة الخارجية الحالية للرئيس شي جين بينج، مشيرة إلى كثافة تحركاته الدبلوماسية في الفترة التي تسبق قمة مرتقبة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت لاحق من الشهر الجاري.

ونقلت الشبكة عن خبير في الشؤون الصينية أن تحركات شي الخارجية تعكس أولويات بكين في المرحلة الراهنة، مشيرة إلى أن الرئيس الصيني لم يقم خلال العام الحالي سوى بزيارة دولة واحدة في يونيو الماضي، في حين استقبلت الصين عددًا كبيرًا من القادة الأجانب.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التنافس الدولي بشأن عدد من الملفات، بينها الحرب الإيرانية، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وهي أزمات تفرض تحديات متزايدة على الاقتصاد والأمن العالميين.

الصين تسعى إلى تعزيز حضورها في نظام دولي متعدد الأقطاب

وفي السياق نفسه، أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي إلى تصاعد المخاطر العالمية، معتبرًا أن الأزمات الدولية الراهنة تفرض الحاجة إلى تفاهمات بين القوى الكبرى للحد من تداعياتها على الاستقرار العالمي، ولا سيما في دول الجنوب النامي.

ونقل التقرير عن البروفيسور هاي تشاو، مدير الدراسات السياسية الدولية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، قوله إن الصين باتت مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر باعتبارها قوة عالمية، والمساهمة في توفير مزيد من المنافع العامة على المستوى الدولي.

وأكد أن اندماج الصين في الاقتصاد العالمي يجعلها طرفًا أساسيًا في معالجة عدد من الملفات، من أمن سلاسل الإمداد إلى تدفق النفط عبر مضيق هرمز والأمن السيبراني.

وتأتي زيارة شي إلى مصر ضمن تحركات دبلوماسية أوسع، بعدما وصل الرئيس الصيني إلى العاصمة القرغيزية بيشكيك للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، التي تجمع عددًا من قادة الدول الكبرى.

كما تتجه الأنظار إلى قمة مجموعة «بريكس» المرتقبة في نيودلهي، والتي من المتوقع أن يشارك فيها الرئيس الصيني، وسط اهتمام دولي متزايد بتحولات النظام العالمي وصعود التكتلات الاقتصادية والسياسية غير الغربية.

ويرى مراقبون أن التحركات الصينية الأخيرة تعكس رغبة بكين في توسيع شبكة شراكاتها الدولية وتعزيز حضورها في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية، فيما تمثل مصر، بموقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي في المنطقة، شريكًا مهمًا في هذه الاستراتيجية.

وبينما تحتفل القاهرة وبكين بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية، تبدو زيارة شي جين بينج إلى مصر أبعد من كونها محطة بروتوكولية في جدول الزيارات الرئاسية؛ إذ تأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة والعالم تحولات متسارعة، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون المصري الصيني، سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا.

حرب بلا حدود.. كيف امتدت تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية...

تحذير فلسطيني من انفجار الضفة.. ومطالب بتحرك أوروبي لوقف التص...