من تعاقد النائب مع الدولة إلى التعاقد بالأمر المباشر.. أين تنتهي السلطة وتبدأ حدود النفوذ؟
أكد المحامي نزيه الحكيم أن التعاقد بطريق الاتفاق المباشر، المعروف شائعًا بـ«الأمر المباشر»، ليس محظورًا في ذاته، وإنما هو استثناء أجازه القانون في حالات محددة وبضوابط وإجراءات واضحة، مشددًا على أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود الاستثناء، وإنما في مدى الالتزام بحدوده وعدم تحويله إلى وسيلة لإهدار المنافسة أو فتح أبواب النفوذ على حساب المال العام.
وقال الحكيم إن الحديث عن تعاقد عضو مجلس النواب مع الدولة، وما قد يثيره من تساؤلات حول تعارض الصفة النيابية مع المصالح الخاصة، يقود بالضرورة إلى التوقف أمام ملف آخر لا يقل أهمية، وهو التعاقد بطريق الاتفاق المباشر.
وأوضح أن من الضروري، عند تناول هذا الملف، الانطلاق من قاعدة قانونية أساسية، مؤداها أنه ليس كل عقد أُبرم بطريق الأمر المباشر فاسدًا، وليس كل من حصل على عقد بهذه الطريقة قد ارتكب مخالفة، إذ إن القانون رقم 182 لسنة 2018 بشأن تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة أجاز اللجوء إلى الاتفاق المباشر في حالات حددها المشرع، باعتباره استثناءً من الأصل العام القائم على المنافسة واتباع الإجراءات المقررة قانونًا.
وأضاف: «السؤال ليس: هل الأمر المباشر جائز قانونًا؟ فالإجابة نعم، في الحالات التي حددها القانون. وإنما السؤال الأهم: هل يُستخدم الاستثناء في حدوده القانونية، أم يتحول مع الوقت إلى قاعدة؟»
وأشار الحكيم إلى أن الدولة عندما تنفق المال العام، فإن الأصل أن تتاح الفرصة للمنافسة؛ للوصول إلى أفضل سعر وأعلى كفاءة وأفضل خدمة، بينما يظل الاتفاق المباشر طريقًا استثنائيًا له مبرراته وشروطه وضوابطه، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لاختيار شخص أو شركة بعينها لمجرد أن التعامل معها يبدو أسهل أو أسرع.
ولفت إلى أن القانون رقم 182 لسنة 2018 وضع حالات وضوابط للتعاقد بطريق الاتفاق المباشر، كما حدد السلطات التي تملك إصدار الموافقات بحسب قيمة التعاقد وطبيعته، متوقفًا كذلك عند الاستثناءات الخاصة التي نص عليها المشرع، ومن بينها الحالات الواردة بالمادة 78.
وشدد على أن قيمة العقد وحدها لا تكفي للحكم على مشروعيته، كما أن مجرد وصف التعاقد بأنه «أمر مباشر» لا يجعله فاسدًا، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا الوصف لا يمكن أن يكون «جواز مرور فوق القانون».
«لماذا اختيرت هذه الشركة؟».. أسئلة لا بد من الإجابة عنها
وأكد الحكيم أنه عند تكرار حصول شركة بعينها على عقود مباشرة من جهات عامة، فإن الأمر يستدعي طرح مجموعة من الأسئلة القانونية والموضوعية، من بينها:
لماذا اختيرت هذه الشركة؟ ومن صاحب القرار؟ وما السند القانوني الذي استندت إليه الجهة الإدارية؟ وهل توافرت إحدى الحالات التي أجاز فيها القانون الاتفاق المباشر؟ وهل صدرت الموافقة من السلطة المختصة؟ وهل روعيت الحدود المالية والإجراءات الواجبة؟ وهل كان من الممكن طرح العملية للمنافسة؟
وأضاف أن هناك سؤالًا أكثر حساسية يتعلق بمن يقف وراء الشركة المستفيدة، موضحًا أنه إذا كان مالك الشركة أو أحد أصحاب المصلحة فيها نائبًا أو مسؤولًا أو من أصحاب النفوذ، فإن الأمر قد يتجاوز مجرد الحسابات المتعلقة بقيمة العقد، ليدخل في نطاق تعارض المصالح واحتمالات تأثير الصفة العامة أو النفوذ في الحصول على ميزة خاصة.
وشدد على ضرورة التمييز بين مجرد وجود هذه الصلات وبين ثبوت المخالفة، قائلًا: «ليس كل نائب يملك شركة قد ارتكب جريمة، وليس كل رجل أعمال ذي نفوذ يحصل على عقد مباشر يكون قد حصل عليه بالمخالفة للقانون، لكن الصفة النيابية أو النفوذ السياسي لا يجوز أن يتحولا إلى طريق مختصر للوصول إلى المال العام».
من مشروعية الإجراء إلى نزاهة الغاية
وأوضح الحكيم أن حماية المال العام لا تتوقف عند البحث عن مدى وجود سند إجرائي للتعاقد، وإنما تمتد إلى التأكد من أن الاستثناء استُخدم لتحقيق الغرض الذي شرعه القانون من أجله، لا للتحايل على الأصل العام المتمثل في المنافسة.
وقال إن القضية، من وجهة نظره، لا ينبغي أن تتحول إلى هجوم على «الأمر المباشر» باعتباره وسيلة تعاقد، وإنما يجب أن تنصب على تحديد متى يكون استثناءً مشروعًا، ومتى يصبح وسيلة لإقصاء المنافسة؟ ومتى يكون اختيار شركة بعينها قائمًا على مقتضيات حقيقية وضرورية، ومتى يصبح نتيجة لعلاقة أو نفوذ أو قرب من صاحب القرار؟
وأضاف: «هنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا: أين تنتهي السلطة.. وأين يبدأ النفوذ؟»
وحذر من خطورة تحول الأمر إلى دائرة مغلقة يكون فيها النفوذ هو الذي يفتح الباب، والأمر المباشر هو الذي يغلق باب المنافسة، بينما يتحمل المال العام في النهاية التكلفة.
الحكم على العقد لا يصدر من عنوانه.. وإنما من ملفه الكامل
وأكد الحكيم أن أي تقييم قانوني لتعاقد تم بطريق الاتفاق المباشر يجب أن يستند إلى ملف التعاقد كاملًا، وليس إلى قيمة العقد أو وصفه أو الجهة المستفيدة وحدها.
وأوضح أن تجاوز الحدود المالية لا يعني تلقائيًا، وبمجرد حدوثه، أن العقد باطل بطلانًا مطلقًا، إذ يجب بحث الجهة التي أصدرت الموافقة، ومدى اختصاصها القانوني، وما إذا كانت هناك موافقة من سلطة أعلى أجاز لها القانون ذلك، فضلًا عن تحديد الأساس القانوني الذي أُقيم عليه التعاقد، وعدم إغفال الاستثناءات التي قررها المشرع لبعض الجهات أو الحالات.
وقال: «الحكم القانوني لا يصدر من عنوان العقد، وإنما من ملفه الكامل».
«لسنا ضد الاستثمار.. لكننا ضد تحويل النفوذ إلى ميزة خاصة»
ودعا المحامي نزيه الحكيم إلى فتح ملف التعاقدات بالأمر المباشر بمنطق الفحص القانوني والشفافية، وليس بمنطق الاتهام المسبق، مطالبًا بالنظر إلى عدد العقود التي أُبرمت بهذه الطريقة، وقيمتها، والجهات أو الشركات التي حصلت عليها، وأسباب اللجوء إلى الاتفاق المباشر، والسلطات التي أصدرت الموافقات، ومدى توافر الشروط القانونية، وما إذا كانت هناك صلات مؤثرة بين المستفيدين وأصحاب القرار.
وأكد أنه إذا كانت جميع الإجراءات والشروط قد تمت داخل الإطار القانوني، فلا محل لإثارة الاتهامات، أما إذا كشف الفحص أن الاستثناء أصبح قاعدة، وأن المنافسة تحولت إلى مجرد نص على الورق، وأن أصحاب النفوذ باتوا يجدون طريقًا أسهل من غيرهم إلى المال العام، فإن القضية عندها تتجاوز «الأمر المباشر» لتصبح قضية تتعلق بـتكافؤ الفرص ونزاهة الإدارة وحماية المال العام.
واختتم الحكيم تصريحاته بالتأكيد على أن موقفه لا يستهدف حق أي شخص في الاستثمار، ولا يعارض اللجوء إلى الأمر المباشر حين يستخدمه القانون في موضعه الصحيح، وإنما يرفض أن تتحول الصفة العامة إلى ميزة خاصة، والاستثناء إلى قاعدة، والنفوذ إلى طريق أقصر من المنافسة.
وقال:
«الدولة لا ينبغي أن تسأل فقط: هل أستطيع أن أبرم العقد؟ وإنما عليها أن تسأل أيضًا: هل أستطيع أن أبرمه بهذه الطريقة، مع هذا الشخص، وفي هذه الظروف، دون أن يفقد المواطن ثقته في عدالة الدولة؟»
وأضاف أن الفارق الحقيقي يكمن بين مشروعية الإجراء ونزاهة الغاية، موضحًا أن الطريق قد يبدو في ظاهره قانونيًا، لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل استُخدم القانون لتحقيق غايته، أم استُخدمت غايته غطاءً للنفوذ؟
واختتم المحامي نزيه الحكيم قائلًا:
«الأمر المباشر استثناء أجازه القانون، لكن أخطر ما في الاستثناء أن يتحول، بمرور الوقت، إلى قاعدة لا يراها أحد استثناءً. وليس أخطر على المال العام من أن يصبح النفوذ أسرع من المنافسة، وأقرب من القانون. وإذا كان القانون قد فتح باب الاستثناء، فلا ينبغي لأحد أن يحوّل هذا الباب إلى مدخل دائم للنفوذ.. فالسؤال في النهاية ليس: من حصل على العقد؟ وإنما: لماذا حصل عليه؟»
