قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، اليوم الأربعاء، رفع سعر الفائدة الرئيسي بواقع ربع نقطة مئوية، ليصل النطاق المستهدف إلى ما بين 3.75% و4%، في أول رفع من نوعه منذ عام 2023، وبعد سلسلة من الاجتماعات ثبّت خلالها البنك المركزي الأمريكي الفائدة عند مستوياتها. القرار الذي جاء وسط تصويت شبه إجماعي داخل اللجنة، لم يكن مفاجئا للأسواق التي كانت قد سعّرت احتمالات مرتفعة لحدوثه، لكن الأسئلة الحقيقية بدأت بعد الإعلان مباشرة: ماذا يعني هذا التحول في السياسة النقدية الأمريكية لاقتصاد مثل الاقتصاد المصري، الذي لا يزال يعيد بناء توازناته الخارجية ويعتمد بشكل كبير على تدفقات الدولار من الخارج؟
القرار لم يأتِ من فراغ. فالتضخم الأمريكي لا يزال متمسكا بمستويات أعلى من المستهدف، في وقت تسبب فيه استمرار التوترات في منطقة الخليج ومضيق هرمز، ومرور شهور طويلة على الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في إبقاء أسعار الطاقة والشحن مرتفعة عالميا. هذا المزيج دفع رئيس الفيدرالي إلى تبني نبرة أكثر تشددا، مع إشارات إلى احتمال رفعة إضافية للفائدة قبل نهاية العام إذا لم تتراجع ضغوط الأسعار.
الدولار والجنيه.. اختبار جديد لاستقرار سعر الصرف
أول التداعيات المباشرة لأي رفع في الفائدة الأمريكية يظهر عادة في قوة الدولار عالميا مقابل سلة العملات، بما فيها عملات الأسواق الناشئة ومن بينها الجنيه المصري. فارتفاع العائد على الأصول الدولارية يجعلها أكثر جاذبية مقارنة بالأصول المقومة بعملات محلية أقل استقرارا، وهو ما يضع ضغطا إضافيا على سعر الصرف في الدول التي لا تزال تعتمد على تدفقات نقد أجنبي منتظمة لتغطية فجوة الحساب الجاري.
هذا التوقيت بالذات حساس بالنسبة لمصر، إذ يأتي القرار الأمريكي قبل أيام قليلة من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري المقرر في الرابع والعشرين من سبتمبر الجاري. ورغم أن التوقعات كانت تميل قبل قرار الفيدرالي إلى تثبيت البنك المركزي المصري لأسعار الفائدة المحلية حفاظا على مكتسبات الاستقرار النقدي، فإن الرفع الأمريكي يقلّص من هامش المناورة المتاح أمام صناع القرار في القاهرة، ويجعل أي تفكير في خفض الفائدة محليا في المدى القريب أكثر كلفة من حيث تأثيره المحتمل على استقرار الجنيه.
الأموال الساخنة.. سيناريو الخروج يعود إلى الواجهة
من أكثر الملفات حساسية في هذا السياق ملف الأموال الساخنة المستثمرة في أدوات الدين المصرية، من أذون وسندات خزانة. فكلما اتسعت الفجوة بين العائد على الأصول الدولارية والعائد المحلي، زاد الإغراء أمام المستثمرين الأجانب للتوجه بجزء من أموالهم نحو سندات الخزانة الأمريكية الأكثر أمانا الآن والأعلى عائدا، بدلا من الاحتفاظ بمراكزهم في الأسواق الناشئة. أي تدفق خارج بهذا الشكل يعني ضغطا مباشرا على احتياطي النقد الأجنبي وعلى استقرار سعر الصرف في آن واحد، وهو سيناريو تعاملت معه مصر أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة وتحديدا في لحظات مشابهة من تشديد السياسة النقدية الأمريكية.
البورصة المصرية تحت الضغط
انعكاسات القرار لا تتوقف عند سوق الدين، بل تمتد إلى سوق الأوراق المالية. فخروج جزء من استثمارات الأجانب بحثا عن عوائد أعلى في الأصول الدولارية من شأنه أن يزيد الضغوط البيعية على مؤشرات البورصة المصرية، وفي مقدمتها المؤشر الرئيسي EGX30، خصوصا إذا صاحب القرار تأكيد من الفيدرالي على استمرار مسار التشديد لفترة أطول من المتوقع.
الذهب بين قوة الدولار وضغوط الجغرافيا السياسية
سوق الذهب في مصر والعالم كان يترقب القرار بحذر شديد، فتشديد السياسة النقدية الأمريكية يرفع عادة من جاذبية الأصول ذات العائد الثابت على حساب المعدن الأصفر الذي لا يدر عائدا دوريا، ما يضع ضغوطا هبوطية على أسعاره عالميا ومحليا. لكن المعادلة هذه المرة أكثر تعقيدا؛ فاستمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، ومشتريات البنوك المركزية العالمية للذهب كأصل احتياطي آمن، يوفران دعما هيكليا مضادا قد يحد من حجم التراجع، حتى في ظل بيئة فائدة أعلى.
كلفة الدين الخارجي واستثمارات القطاعات الإنتاجية
على مستوى أوسع، فإن استمرار الفائدة الأمريكية في مسار الارتفاع يرفع بشكل غير مباشر من كلفة الاقتراض الخارجي لدول مثل مصر التي لا تزال تعتمد على التمويل الدولي لتغطية جزء من احتياجاتها التمويلية، سواء عبر أسواق السندات الدولية أو عبر القروض متعددة الأطراف. كما أن بيئة الفائدة العالمية المرتفعة تجعل قرارات الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الإنتاجية أكثر تريثا، في وقت تحتاج فيه مصر إلى استمرار تدفق هذا النوع من الاستثمار "الأكثر استقرارا" مقارنة بالأموال الساخنة، لتمويل برامجها التنموية وتقليل اعتمادها على الديون قصيرة الأجل.
سؤال مفتوح: هل يصمد الاستقرار النقدي أمام موجة تشديد عالمية جديدة؟
يبقى السؤال الأكبر معلقا حتى اجتماع البنك المركزي المصري نهاية الشهر: هل يملك صناع القرار في القاهرة مساحة كافية للاستمرار في سياسة التثبيت النقدي دون المخاطرة بموجة جديدة من خروج الأموال الساخنة، أم أن التشديد الأمريكي المتجدد سيفرض على مصر، كما فرض في محطات سابقة، إعادة نظر في مسار أسعار الفائدة المحلية بما يتماشى مع بيئة عالمية باتت أكثر تشددا مما توقعه كثيرون قبل أشهر قليلة فقط؟
