كل عام تقريبا، تخرج وزارة الكهرباء بأرقام جديدة عن تراجع نسبة الفقد في الشبكة القومية، وفي كل مرة تبدو النسبة المئوية وحدها منجزا كافيا. لكن خلف كل نقطة مئوية تتراجع، توجد كمية ضخمة من الطاقة كانت تُنتج بتكلفة حقيقية من وقود ومحطات وشبكات نقل، ثم تختفي في الطريق قبل أن تصل إلى عداد يُحاسب عليه أحد. فمن يستهلك هذه الكهرباء فعليا؟ وهل تراجع نسبة الفقد يعني أن المشكلة انتهت، أم أنها فقط أصبحت أصغر حجما وأكثر تكلفة في المطاردة؟

الرقم الرسمي: تراجع تدريجي على مدى ثلاث سنوات

تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الفقد الإجمالية في شبكات توزيع الكهرباء تراجعت من 19.66% خلال العام المالي 2023/2024، إلى 18.93% في العام المالي 2024/2025، ثم إلى 17.67% خلال العام المالي 2025/2026. على الورق، هذا يعني أن نحو اثنين بالمئة من الطاقة المنتجة عادا إلى منظومة المحاسبة الرسمية خلال ثلاث سنوات، وهو تحسن تعزوه الوزارة إلى تكثيف حملات المواجهة بالتعاون مع مباحث الكهرباء، إلى جانب التوسع في تركيب العدادات مسبقة الدفع.

لكن الرقم نفسه يحمل داخله قصة مزدوجة، لأن "الفقد" في لغة قطاع الكهرباء ليس نوعا واحدا، بل نوعان مختلفان تماما في الأسباب والعلاج.

فقد فني وفقد تجاري.. الفارق الذي يحدد إلى أين تذهب الكهرباء

الفقد الفني هو الجزء المتوقع علميا، الناتج عن مقاومة الكابلات أثناء نقل الكهرباء لمسافات طويلة، وارتفاع درجات الحرارة، وتقادم المحولات وخطوط التوزيع التي لم تخضع لصيانة أو إحلال بالمعدلات الكافية. هذا النوع من الفقد لا "يذهب" إلى أحد بالمعنى الحرفي، بل يتبدد كحرارة وفاقد طبيعي في الشبكة، ويصعب تصفيره بالكامل في أي دولة، لكنه يتضخم كلما كانت البنية التحتية أقدم وأقل صيانة.

أما الفقد التجاري، فهو الجزء الذي تذهب فيه الكهرباء فعليا إلى مستهلكين لا يدفعون ثمنها، سواء عبر التوصيلات غير القانونية المباشرة من الشبكة، أو التلاعب في العدادات، أو السحب من خارج العداد لتغذية أجهزة عالية الاستهلاك كالتكييفات في الأنشطة التجارية والصناعية. ويرتبط هذا النوع بعوامل أوسع من الاستهلاك الفردي، أبرزها التوسع العمراني غير المخطط والمباني غير المرخصة التي تُوصل بالكهرباء قبل حصولها على تراخيص رسمية، وبطء بعض إجراءات التوصيل النظامي الذي يدفع بعض المستهلكين إلى حلول غير قانونية أسرع.

حجم الخسارة بالأرقام.. من المحاضر إلى المليارات

الأرقام التي كشفتها الوزارة عن جهود المواجهة خلال العامين الماليين الماضيين تعطي صورة عن حجم الظاهرة قبل التراجع الأخير: نحو 4.44 مليون محضر تم تحريره ضد حالات سرقة التيار، وتحصيل 18.67 مليار جنيه من قيمة هذه المحاضر، بزيادة نحو 62% مقارنة بالفترة المناظرة. هذه الزيادة الكبيرة في قيمة التحصيل لا تعني بالضرورة أن السرقات تضاعفت بنفس النسبة، بل تعكس في جزء منها تشديد الغرامات وتكثيف حملات الضبط نفسها.

في المقابل، تشير تقديرات متخصصة إلى أن الفقد التجاري وحده، عندما كانت نسبة الفقد الإجمالية أعلى، كان يصل في بعض شركات التوزيع إلى نحو 30% في المتوسط، بقيمة مالية قُدرت بعشرات المليارات من الجنيهات سنويا. الفارق بين ما تحصّله الوزارة من غرامات وما تقدره كخسائر فعلية يكشف عن فجوة دائمة بين حجم الظاهرة الحقيقي وقدرة الأجهزة الرقابية على ضبطها بالكامل.

العداد الكودي.. حل وقائي وليس نهاية القصة

من أبرز أدوات المواجهة كان التوسع في تركيب العدادات مسبقة الدفع، إذ بلغ عدد العدادات الكودية التي رُكبت خلال العامين الماليين الماضيين نحو 3.1 مليون عداد، بزيادة قاربت 60% عن الفترة المناظرة. ومع نهاية العام المالي 2025/2026، بلغ إجمالي عدد المشتركين في مصر 45.4 مليون مشترك، منهم 22.7 مليون مشترك بالعدادات مسبقة الدفع مقابل 22.6 مليون مشترك بالعدادات التقليدية، أي أن العداد الكودي أصبح يغطي قرابة نصف المشتركين تقريبا.

غير أن خبراء في القطاع يشيرون إلى أن العداد الكودي، رغم فاعليته في ضبط الاستهلاك المسجل داخله، لا يمنع بالضرورة حالات السحب من خارج العداد مباشرة لتغذية أجهزة معينة، وهي الحيلة الأكثر شيوعا في حالات السرقة المتعمدة. بعبارة أخرى، العداد الكودي يعالج جزءا من المشكلة المرتبطة بالتلاعب في القراءة والدفع، لكنه لا يغلق تماما الباب أمام التوصيلات غير الشرعية التي تسبق العداد نفسه.

استهلاك لا يُصنَّف "سرقة" لكنه يستحق سؤالا منفصلا

جزء من الكهرباء المنتجة لا يذهب إلى سرقات بالمعنى القانوني، بل إلى استهلاك حكومي ومرافق عامة تصل نسبته إلى نحو 10% من الإجمالي، إضافة إلى الإنارة العامة بنسبة تقارب 2.4%. هذه النسب لا تُحتسب ضمن "الفقد" لأنها استهلاك مسجل ومعروف الجهة، لكنها تفتح سؤالا موازيا عن مدى انتظام سداد الجهات الحكومية لمستحقاتها الفعلية، خصوصا في ظل إشارات سابقة إلى تراكم متأخرات على بعض المستهلكين بلغت نحو 12 مليار جنيه، وهو ما يعني أن الفاتورة غير المسددة، حتى حين تكون مسجلة بشكل قانوني، تمثل عبئا موازيا لسرقات التيار على الجدوى المالية لشركات التوزيع.

سؤال مفتوح: هل التراجع الأخير بداية حل جذري أم إدارة مؤقتة للأزمة؟

يبقى السؤال الأهم معلقا: هل يعكس تراجع نسبة الفقد من 19.66% إلى 17.67% تحولا هيكليا حقيقيا في كفاءة الشبكة وثقافة الاستهلاك، أم أنه في جوهره نتاج تكثيف مؤقت لحملات الضبط والتحصيل قد يصل إلى سقف معين ثم يتباطأ، طالما ظلت الأسباب الجذرية للفقد التجاري - من توسع عمراني غير مخطط، وبطء في إجراءات التوصيل الرسمي، وشبكة توزيع يتقادم جزء كبير من مكوناتها - قائمة دون معالجة بنيوية موازية لحملات الضبط الأمني والتحصيل المالي؟