يشهد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر تحولًا متسارعًا، مع انتقال الدولة من مرحلة التركيز على التحول الرقمي وتقديم الخدمات إلكترونيًا إلى مرحلة أوسع تستهدف توظيف الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية للبيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وبناء قدرات وطنية قادرة على إنتاج واستخدام التكنولوجيا المتقدمة.

ولا يرتبط هذا التوجه بمجرد إدخال أدوات تكنولوجية جديدة إلى مؤسسات الدولة، وإنما يعكس توجهًا نحو بناء منظومة رقمية متكاملة، تتداخل فيها البيانات والبنية التحتية والكوادر البشرية والأمن الرقمي، بما يدعم الاقتصاد والخدمات العامة ويعزز القدرة الوطنية على إدارة التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية.. مصر تبني منظومة متكاملة للسيادة الاقتصادية

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة غادة عامر  إن التوجيهات الرئاسية الأخيرة بالتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ودعم برنامج «كرنك»، ونشر شبكات الجيل الخامس، وتعزيز مراكز البيانات والأمن السيبراني، لا تمثل مبادرات منفصلة، وإنما تأتي ضمن توجه يستهدف بناء منظومة رقمية متكاملة تدعم التحول التكنولوجي والاقتصادي في مصر.

وأوضحت الدكتورة غادة عامر، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، أن هذه المنظومة تقوم على مجموعة من العناصر المترابطة؛ تبدأ من بنية اتصالات قادرة على نقل البيانات، مرورًا بمراكز البيانات التي تقوم بتخزينها ومعالجتها، وصولًا إلى نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التعامل مع اللغة العربية والاحتياجات المحلية، إلى جانب منظومة متطورة للأمن السيبراني تعمل على حماية البيانات والبنية الرقمية.

وأضافت أن أهمية هذا التوجه لا ترتبط بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق أهداف اقتصادية واضحة، مشيرة إلى استهداف الوصول بالصادرات الرقمية إلى 8 مليارات دولار بحلول عام 2028، ثم 12 مليار دولار في عام 2029، إلى جانب الوصول إلى 120 شركة متخصصة بحلول عام 2030.

وتأتي هذه المستهدفات، بحسب "عامر"، في ظل نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر بمعدلات تتراوح عادة بين 14% و16% سنويًا، فيما سجل القطاع في الربع الثالث من العام المالي الحالي معدل نمو بلغ 20.3%، وهو الأعلى منذ سنوات، لترتفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6%.

وفي السياق ذاته، أوضحت خبيرة الذكاء الاصطناعي أن الصادرات الرقمية بلغت 7.4 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 6.9 مليار دولار في 2024، بزيادة بلغت 7.2%، بينما تمثل صادرات التعهيد وحدها نحو 5.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 2.4 مليار دولار في 2022، بما يعني أنها زادت بأكثر من الضعف خلال ثلاث سنوات، مع استهداف رفعها إلى 6 مليارات دولار خلال عام 2026.

الذكاء الاصطناعي.. من التكنولوجيا إلى أداة للتنمية

وفي ضوء هذه الرؤية، يمثل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية مصر الرقمية، خاصة مع اتساع نطاق استخدام هذه التقنيات في التعليم والخدمات الحكومية وتحليل البيانات وخدمة المواطنين.

وتقوم الفكرة الأساسية على الانتقال من استخدام التكنولوجيا كوسيلة لتسهيل الإجراءات فقط، إلى توظيفها في تحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار ورفع كفاءة الخدمات وتطوير حلول تتناسب مع احتياجات المجتمع المصري.

ومن هذا المنطلق، تؤكد الرؤية المصرية أن الإنسان يجب أن يظل محور عملية التحول الرقمي، بحيث يكون الهدف النهائي من استخدام الذكاء الاصطناعي هو تحسين الخدمات ودعم التنمية وتعزيز الكفاءة، وليس التكنولوجيا في حد ذاتها.

«كرنك».. خطوة نحو توطين الذكاء الاصطناعي

وفي إطار السعي إلى بناء قدرات وطنية في هذا المجال، يأتي نموذج "كرنك" ضمن أبرز الخطوات المرتبطة بتوطين تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مصر، باعتباره نموذجًا لغويًا وطنيًا يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير تطبيقات تستجيب للاحتياجات المحلية.

وتكمن أهمية النموذج في تطوير أدوات ذكاء اصطناعي باللغة العربية وبما يتناسب مع طبيعة البيانات والاحتياجات المصرية، بما يفتح المجال أمام الشركات الناشئة والقطاع الخاص لتطوير تطبيقات جديدة، بدلًا من الاعتماد الكامل على حلول خارجية.

كما ارتبط "كرنك" بتطبيقات وطنية، من بينها «سيبا» لدعم الطلاب والمعلمين في اللغة العربية والتاريخ المصري، إلى جانب مساعد ذكي للإرشاد القانوني والتنظيمي، فضلًا عن تطبيقات تستهدف تحسين خدمات مراكز الاتصال والخدمات الحكومية الرقمية.

وبالتالي، فإن الهدف لا يقتصر على امتلاك نموذج لغوي، وإنما يمتد إلى بناء بيئة متكاملة تسمح بتطوير تطبيقات وخدمات ذكاء اصطناعي محلية.

الجيل الخامس ومراكز البيانات.. البنية الأساسية لاقتصاد المستقبل

ولا يمكن فصل الذكاء الاصطناعي عن البنية التحتية التي تستضيف البيانات وتعالجها، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بمراكز البيانات وشبكات الاتصالات والحوسبة السحابية.

وفي هذا الإطار، لفتت الدكتورة غادة عامر إلى إطلاق خدمات الجيل الخامس تجاريًا في مصر، باستثمارات بلغت 675 مليون دولار ضختها أربع شركات اتصالات مقابل التراخيص، إلى جانب سبعة تراخيص إضافية لخدمات الإنترنت.

وأكدت أن هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة استثمارات أوسع قاربت 6 مليارات دولار في البنية التحتية للاتصالات، وهو ما ساهم في رفع سرعة الإنترنت في مصر بنحو 14 ضعفًا خلال السنوات الأخيرة.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت الحكومة في مايو 2026 إعداد استراتيجية وطنية لتنظيم إنشاء مراكز البيانات، بما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطاع باعتباره أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الرقمي.

وفي سبتمبر 2026، تطور هذا المسار مع الإعلان عن مشروع لإنشاء أحد أكبر مراكز البيانات في مصر، إلى جانب أول مركز بيانات للذكاء الاصطناعي السيادي في مصر، بما يستهدف تعزيز القدرة على استضافة البيانات ومعالجتها محليًا ودعم خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

وفي السياق ذاته، أشارت "عامر"، إلى دخول شركة «خزنة» الإماراتية في شراكة مع مجموعة «بنية» باستثمار يبلغ 250 مليون دولار لإنشاء أول مركز بيانات عملاق «Hyperscale» في مصر، بسعة تصل إلى 25 ميجاواط في حديقة تكنولوجيا المعادي، بما يستهدف خدمة السوق المصرية إلى جانب أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.

وتبرز هنا أهمية مفهوم السيادة الرقمية؛ إذ إن امتلاك القدرة على تخزين ومعالجة البيانات داخل الدولة يمنح المؤسسات قدرة أكبر على التحكم في بياناتها، كما يمكن أن يدعم جذب الاستثمارات في الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي.

من البنية المحلية إلى مركز إقليمي للبيانات والتكنولوجيا

ولا تتوقف أهمية مراكز البيانات عند تلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما ترتبط كذلك بطموح مصر لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لخدمات البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

وتتمتع مصر بمقومات جغرافية وبنية اتصالات وكابلات بحرية تجعلها مؤهلة للاستفادة من موقعها في حركة البيانات بين مناطق مختلفة من العالم، بينما يمكن أن تسهم الاستثمارات الجديدة في تطوير قدرات الاستضافة والمعالجة وتوفير خدمات رقمية للأسواق العربية والأفريقية.

ومن هذا المنطلق، تتحول البيانات تدريجيًا من مجرد مورد تقني إلى أصل اقتصادي واستراتيجي يمكن أن يدعم الاستثمار والابتكار والتجارة الرقمية.

الأمن السيبراني.. الوجه الآخر للتحول التكنولوجي

ومع زيادة الاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، تتزايد في المقابل أهمية حماية هذه المنظومة من الاختراقات والهجمات الإلكترونية.

ولهذا أصبح الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من استراتيجية التحول الرقمي، وليس ملفًا منفصلًا عنه. وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة غادة عامر أن مصر تُصنَّف ضمن 12 دولة فقط من أصل 193 دولة حصلت على العلامة الكاملة في مؤشر الاتحاد الدولي للاتصالات للأمن السيبراني، بواقع 100 من 100، ضمن الفئة الأولى «النموذج المُحتذى»، بعدما سجلت 95.48 نقطة في عام 2020.

وأكدت «عامر» أن هذا التقدم يمثل رصيدًا مهمًا لمصر، خاصة في ظل تزايد أهمية أمن البيانات بالنسبة للشركات والاستثمارات العالمية، بما يعزز قدرتها على جذب الشركات التي تبحث عن بيئات آمنة لاستضافة ومعالجة بياناتها.

كما أكدت وزارة الاتصالات أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في تعزيز الأمن السيبراني، إلى جانب إعداد أطر قانونية وأخلاقية للاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.

وفي السياق ذاته، ركز مؤتمر «CAISEC 2026» على قضايا السيادة الرقمية وتأمين تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات ومواجهة مخاطر التزييف العميق، وهو ما يعكس اتساع مفهوم الأمن الرقمي ليشمل حماية البيانات والبنية التحتية والخدمات والثقة في الاقتصاد الرقمي.

الشباب.. العنصر الحاسم في المعادلة

ورغم أهمية البنية التكنولوجية، يبقى العنصر البشري أحد أهم مكونات التحول؛ فامتلاك مراكز البيانات والشبكات والنماذج الذكية لا يكفي من دون متخصصين قادرين على تطوير وتشغيل وإدارة هذه المنظومات.

ومن هنا تبرز أهمية تدريب الشباب على مجالات مثل البرمجة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني، بما يرفع قدرة سوق العمل المصري على الاستفادة من الطلب المتزايد على المهارات الرقمية.

كما يمكن لهذا التوجه أن يدعم صناعة التعهيد والخدمات الرقمية وتصدير الخدمات التكنولوجية، خاصة مع توجه شركات دولية إلى اتخاذ مصر قاعدة لخدمة أسواق المنطقة.

وظائف المستقبل.. التكنولوجيا تعيد تشكيل سوق العمل

ولا يعني انتشار الذكاء الاصطناعي أن الهدف هو استبدال العنصر البشري، وإنما يفرض تحولًا في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.

فمع التوسع في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، يتزايد الاحتياج إلى وظائف ومهارات جديدة، في الوقت الذي تتغير فيه طبيعة العديد من الوظائف التقليدية نتيجة الاعتماد على الأدوات الذكية.

وتشير المشروعات الجديدة في قطاع مراكز البيانات بالفعل إلى فرص عمل مباشرة وغير مباشرة؛ فعلى سبيل المثال، يستهدف المشروع المعلن عنه في سبتمبر 2026 توفير ما يصل إلى 200 وظيفة مباشرة ونحو 2000 وظيفة غير مباشرة عند اكتماله، وفق وزارة الاتصالات.

الأهداف الرئيسية للتحرك المصري

وفي ضوء هذه التطورات، يمكن تلخيص الأهداف الرئيسية للتوسع المصري في الذكاء الاصطناعي في مجموعة من المحاور المترابطة، تبدأ بتوطين التكنولوجيا وبناء قدرات وطنية في الذكاء الاصطناعي وتقليل الاعتماد الكامل على الحلول الخارجية.

كما تستهدف الدولة تحقيق قدر أكبر من السيادة الرقمية، من خلال تعزيز قدرتها على إدارة بياناتها واستضافتها ومعالجتها بصورة آمنة داخل بنيتها الرقمية، إلى جانب تطوير الخدمات الحكومية باستخدام الذكاء الاصطناعي بما يرفع جودة الخدمات وسرعة تقديمها وكفاءة المؤسسات.

ويأتي دعم الاقتصاد والاستثمار ضمن هذه الأهداف أيضًا، من خلال جذب استثمارات جديدة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وتحويل البنية التكنولوجية إلى قطاع اقتصادي منتج.

وفي الوقت نفسه، تسعى مصر إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للبيانات والخدمات الرقمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية للاتصالات لخدمة الأسواق العربية والأفريقية.

ويرتبط بذلك هدف آخر يتمثل في حماية الأمن القومي الرقمي، عبر تطوير قدرات الأمن السيبراني وحماية البيانات والبنية التحتية والخدمات الحيوية، بالتوازي مع تأهيل الشباب لوظائف المستقبل وإعداد كوادر متخصصة قادرة على المنافسة في سوق العمل المحلي والدولي.

التحدي الحقيقي.. التنفيذ وتحويل المزايا إلى استثمارات

وفي ختام حديثها، شددت الدكتورة غادة عامر على أن مصر تتحرك ضمن سباق عالمي أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للسيادة الاقتصادية، ولم تعد مجرد رفاهية أو عنصرًا تكميليًا.

وأكدت أن الفارق بين نجاح هذه المنظومة وتحولها إلى مجرد إعلانات متتالية سيُحسم بمعدل التنفيذ الفعلي، وبمدى قدرة مصر على تحويل مزاياها النسبية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي والكوادر البشرية والسجل المتقدم في مجال الأمن السيبراني، إلى استثمارات أجنبية مباشرة تقترب، ولو نسبيًا، من المستويات التي تشهدها الدول المتقدمة.

الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا منفصلًا عن التحول الرقمي

وخلاصة التقرير أن التطورات المتسارعة في قطاع التكنولوجيا المصري تكشف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا منفصلًا عن التحول الرقمي، بل أصبح جزءًا من مشروع أكبر يجمع بين البيانات ومراكز الحوسبة والجيل الخامس والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والكوادر البشرية.

ومن هنا يمكن فهم مفهوم «السيادة التكنولوجية» باعتباره قدرة الدولة على امتلاك وإدارة جزء أكبر من الأدوات والبنية التحتية والبيانات التي يقوم عليها اقتصادها الرقمي.

وبينما يمثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير الخدمات وجذب الاستثمارات وخلق وظائف جديدة، فإن نجاح هذه الرؤية يرتبط بقدرة مصر على الاستمرار في تطوير البنية التحتية، وتأهيل الكوادر، وحماية البيانات، ووضع قواعد واضحة للاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.

وبذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في امتلاك أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما في تحويل هذه التقنيات إلى قيمة اقتصادية، وخدمات أفضل، وقدرات وطنية مستدامة، بما يجعل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة أوسع لبناء اقتصاد مصري أكثر قدرة على المنافسة وتعزيز السيادة التكنولوجية.