في قلب أرض الفيروز، وتحت ظلال جبل الطور المقدس بجنوب سيناء، يقف "الجامع الفاطمي المصري" كشاهد تاريخي فريد على عبقرية العمارة الإسلامية والتسامح الديني الذي ميز الحضارة المصرية على مر العصور. هذا الأثر الفذ، المسجل رسميًا برقم 324، يمثل حلقة وصل نادرة ترسم ملامح الوجود الإسلامي في واحدة من أهم البقاع المقدسة في العالم.

من قاهرة المعز إلى أرض الفيروز.. قصة الانشاء
تعود جذور هذا الصرح المعماري إلى مطلع القرن السادس الهجري، وتحديدًا في الفترة ما بين 495 و500 هجرية (1101 - 1106 ميلادية). وقد نهض بمهمة تشييده الأمير أبي المنصور أنو شتكين الأمري، ليكون منارة للعبادة والسكينة في ذلك الموقع الاستراتيجي شمال غرب منطقة الطور.
ولم يكن المسجد مجرد بناء عابر، بل وثقت الرحلات التاريخية وجوده ونبضه الحركي؛ حيث أشار الراهب "جاك الفيروني" في مذكرات رحلته الشهيرة عام 1335 ميلادية إلى رؤيته للمسجد قائمًا بمئذنته الشامخة، مما يؤكد استمرارية دور المسجد وحيويته عبر العصور.
الهندسة المقاومتة للزمن.. تخطيط مستطيل وعقود جرانيتية
يتسم التخطيط المعماري للجامع بالبساطة والقوة الهندسية التي تفرضها طبيعة المنطقة الجبلية. بُني الجامع على مساحة مستطيلة غير متساوية الأضلاع بدقة؛ حيث يبلغ طول جدار القبلة الجنوبي 9.88 مترًا، في حين يمتد الجدار الشمالي لـ 10.28 مترًا، والشرقي 7.37 مترًا، والغربي 7.06 مترًا، ليرتفع السقف الداخلي بارتفاع 5.66 مترًا.
وينقسم الفراغ الداخلي للجامع إلى ستة أجزاء متناسقة تشكل بلاطات المسجد، وتفصل بينها عقود نصف دائرية صُنعت من الحجر الجرانيت المنحوت شديد الصلابة؛ ثلاثة من هذه العقود تمتد بموازاة جدار القبلة، بينما تنبثق أربعة عقود أخرى لتتعامد عليه في تناغم إنشائي بديع يضمن توزيع الأحمال بكفاءة.

بلاغة المحاريب الثلاثة ومنبر خشبي يجسد "آية في الجمال"
تكمن الخصوصية الروحية والمعمارية للجامع الفاطمي في جدار قبلته الذي يضم ثلاثة محاريب دفعة واحدة، يتوج المحراب الرئيسي منها عقد متطور ذو أربعة مراكز. ويجاور هذا المحراب منبر خشبي عتيق، وُصف في سجلات الآثار بأنه "آية في الجمال" نظرًا لدقة الحفر والأشكال الهندسية التي تزينه.
ولم يخلو المحراب من اللمسات الفنية والتذكارية التي تركتها حركة الزوار؛ حيث زُيّن بحجر من المرمر الصقلي النادر نُقشت عليه أسماء بعض الزوار المسلمين الذين تبركوا بالمكان، إلى جانب كتابات تذكارية أخرى خُطت بالحبر الأحمر بالخط الثلث الرشيق.
مئذنة الجرانيت.. بصمة مملوكية على قاعدة فاطمية
رغم الجسد الفاطمي للمسجد، إلا أن مئذنته تروي قصة تطور لاحق؛ فالأدلة الأثرية والنقوش تؤكد أن المئذنة الحالية ليست من عصر الإنشاء الأول، بل هي إضافة من العصر المملوكي صاغتها يد الأمير سيف الدين محمد الردادي.
بُنيت المئذنة من حجر الجرانيت الصلد، وتتكون من دورتين مربعتي القطاع. وترتكز المئذنة على كرسي ضخم يتخذ شكل هرم مقطوع، نُقش على جوانبه سطران بالخط الكوفي الشاهد على هوية البناء؛ أحدهما في الأعلى والآخر في الأسفل، يتضمنان بوضوح اسم باني المسجد الفاطمي والمئذنة المملوكية، ليمتزج في هذا النقش تاريخ دولتين صانتا تراث مصر الإسلامي.
