​تزخر مدينة الإسكندرية بالعديد من المعالم التاريخية والطبيعية الخالدة، وتأتي «حدائق الشلالات» في مقدمة هذه الدرر، لتمثل مزيجاً فريداً يجمع بين عبق التاريخ العسكري وسحر الطبيعة الخلابة. هذه الحديقة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ثمرة رؤية هندسية عالمية طمحت لجعل عروس البحر المتوسط تضاهي أعظم حدائق العالم.

​بذور الحلم: بصمة «مونفراتو» وعبقرية «أولستميد»


 في عام 1897، سعى رئيس قسم الحدائق ببلدية الإسكندرية، «سنيور مونفراتو»، لتحويل جزء من حديقة الحد البحري إلى متنفس عصري يليق بمكانة المدينة، مستوحياً إياها من حديقة «سنترال بارك» في نيويورك. 


 تواصل «مونفراتو» مع المهندس الأمريكي الشهير «فريدريك لو أولستميد» (مصمم السنترال بارك)، الذي تبنى أسلوب تحويل المواقع المستوية إلى تضاريس طبيعية ساحرة من هضاب وبحيرات. 

​
من «الخندق» إلى «الشلالات»: تحصينات تاريخية بروح طبيعية

​اعُرفت الحديقة في بدايتها باسم «حديقة الخندق»، حيث كان شارع السلطان حسين -منذ عصر الظاهر بيبرس- خندْقاً دفاعياً أمام سور الإسكندرية الشرقي، حين أمر بيبرس بحفر الخندق ونصب المجانيق. 


 استغل المهندس التضاريس الدفاعية القديمة ليصمم شلالاً ثلاثي المخارج يصب في مجرى مائي يغذي ثلاث بحيرات، أُطلق على أكبرِها بين الأهالي «بحر جحا»، إلى جانب كشك البجع الشهير.

شواهد أثرية ونباتات معمرة تتحدى الزمن

تضم الحديقة مجموعة فريدة من الأشجار والنباتات المعمرة والنادرة التي يمتد عمرها لأكثر من 100 عام.


 وتحتضن الأبراج الأثرية لسور الإسكندرية القديم، لتشكل معلماً حربياً نادراً يروي تاريخ التحصينات الدفاعية للمدينة.


​كما تضم الحديقة صهريجاً تحت الأرض يُعد الوحيد الذي احتفظ بحالته المعمارية الكاملة؛ وتبلغ مساحته نحو 200 متر مقسمة على ثلاثة طوابق، ويحتوي على أعمدة وتيجان نادرة كانت تستخدم لتخزين المياه العذبة قديماً. 


لا تزال «حدائق الشلالات» تشكل واحة ساحرة تنبض بالحياة والتاريخ في قلب الإسكندرية، شاهدةً على عصور امتدت من المماليك وحتى العصر الحديث، لتظل مزاراً سياحياً وتاريخياً يستحق الاستكشاف.