قالت الدكتورة غادة عامر، خبيرة الذكاء الاصطناعي، إن العالم يعيش سباقًا جديدًا بين الولايات المتحدة والصين لا يقل خطورة عن سباق التسلح النووي أو غزو الفضاء خلال القرن الماضي، موضحة أن هذا السباق لا يقتصر على تغيير موازين القوة العسكرية، وإنما يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والإعلام والصحة وطريقة صنع القرار.

وأوضحت غادة عامر، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية حديثة، وإنما تحول إلى أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي، مشيرة إلى أن الطرف الذي يمتلك القدرات المتقدمة في هذا المجال سيكون قادرًا على التأثير في قواعد العالم خلال العقود المقبلة.

غادة عامر: واشنطن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمعركة على الهيمنة

وفي هذا السياق، أشارت خبيرة الذكاء الاصطناعي إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2026، والتي قال خلالها: «من يفوز بالذكاء الفائق يفوز».

وأضافت "عامر"، أن ترامب أعلن رفض الولايات المتحدة بشكل تام لأي محاولة لبناء منظومة سيطرة عالمية على الذكاء الاصطناعي، كما دعا إلى استخدام مصطلح «الذكاء الفائق» بدلًا من «الذكاء الاصطناعي»، معتبرًا أن كلمة «اصطناعي» تجعل الذكاء يبدو زائفًا، بينما هو، بحسب وصفه، «مذهل».

ولفتت غادة عامر إلى أن ترامب أكد كذلك أن الولايات المتحدة متقدمة حاليًا على الصين بفارق كبير، معتبرة أن هذا الخطاب يعكس تعامل واشنطن مع الذكاء الاصطناعي باعتباره معركة على الهيمنة، ورغبتها في خوضها دون قيود دولية تحد من حركتها.

وفي المقابل، أشارت "عامر"،  إلى أن هذا الموقف يأتي في الوقت الذي يطالب فيه عدد من قادة شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية بإطار دولي للرقابة على هذه التقنية.

785 مليار دولار.. حجم الاستثمارات الأمريكية في 2026

وبشأن حجم الاستثمارات، أوضحت خبيرة الذكاء الاصطناعي أن الأرقام تكشف بوضوح ضخامة السباق بين القوتين، موضحة أنه وفقًا لتقرير لوكالة «موديز»، تبلغ استثمارات الشركات الأمريكية الكبرى في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي نحو 785 مليار دولار خلال عام 2026، مقابل نحو 140 مليار دولار للشركات الصينية.

وأشارت "عامر"، إلى أن ذلك يعني أن الإنفاق الأمريكي يتجاوز الإنفاق الصيني بنحو 5.6 أضعاف، مع توقعات بوصول الإنفاق الأمريكي إلى تريليون دولار في عام 2027، مقابل 165 مليار دولار للصين.

وأضافت "عامر"، أن هذه الاستثمارات تتزامن مع مشروع «ستارغيت»، الذي يستهدف استثمار 500 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة بحلول عام 2029.

فجوة الإنفاق لا تعكس الفارق الحقيقي في القدرات

وفي المقابل، أكدت الدكتورة غادة عامر أن الفجوة الكبيرة في حجم الإنفاق لا تنعكس بالدرجة نفسها على القدرة الفعلية، موضحة أن القدرة المركبة لمراكز البيانات في الولايات المتحدة بلغت نحو 52 جيجاوات بنهاية عام 2025، مقابل 28 جيجاوات في الصين، وهو ما يعني أن الفارق يبلغ نحو الضعف تقريبًا.

وأضافت "عامر"، أن الصين تنمو في هذا المجال بمعدل سنوي يقارب 19%، مقابل 14% للولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تصل قدرتها إلى 67 جيجاوات بحلول عام 2030، مقابل 100 جيجاوات للولايات المتحدة.

ولفتت "عامر"، إلى أن عددًا من الخبراء وقادة الصناعة يرون أن الصين لا تتأخر عن الولايات المتحدة إلا ببضعة أشهر في قدرات النماذج المتقدمة، وهو ما يعكس، بحسب المعطيات، كفاءة صينية لافتة في استخدام موارد أقل بكثير.

الرقائق والبيانات والطاقة.. أدوات الصراع الجديدة

وأكدت خبيرة الذكاء الاصطناعي أن جوهر السباق بين واشنطن وبكين يتمثل في امتلاك الرقائق الإلكترونية المتقدمة، والبيانات الضخمة، والقدرات الحاسوبية، والطاقة اللازمة لتشغيلها، إلى جانب العقول المؤهلة.

وأوضحت "عامر"، أن من يمتلك هذه العناصر سيكون قادرًا على التأثير في قواعد العالم خلال العقود المقبلة، وهو ما يفسر تحول قيود تصدير الرقائق، والتنافس على المعادن النادرة، وسباق بناء مراكز البيانات العملاقة إلى أدوات للصراع الجيوسياسي المباشر بين الولايات المتحدة والصين.

وشددت "عامر"، على أن المعركة لم تعد تدور فقط حول الأراضي والحدود، وإنما أصبحت تدور حول من يتحكم في البنية التحتية للعالم في المستقبل.

واشنطن تتقدم في الرقائق والاستثمارات.. وبكين تراهن على التطبيق

وأشارت غادة عامر إلى أن الولايات المتحدة تتقدم في مجال النماذج المتقدمة وصناعة الرقائق وحجم الاستثمارات الخاصة، بينما تراهن الصين على حجم سوقها وكثافة بياناتها وسرعتها في تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل الصناعة والمدن الذكية والخدمات الحكومية.

وأضافت "عامر"، أن الصين تعتمد كذلك على نماذج مفتوحة المصدر منخفضة التكلفة، وهو ما جعلها منافسًا حقيقيًا رغم القيود المفروضة عليها، مؤكدة أن نتيجة هذا السباق لم تُحسم بعد.

انقسام تقني يهدد الدول النامية

وحذرت خبيرة الذكاء الاصطناعي من أن الخطر الأكبر يتمثل في إمكانية تحول التنافس الأمريكي الصيني، خصوصًا مع رفض واشنطن لأي حوكمة دولية، إلى انقسام العالم إلى معسكرين تقنيين، لكل منهما معاييره وأنظمته وسلاسل إمداده.

وأوضحت "عامر"، أن هذا السيناريو قد يضع الدول النامية، ومن بينها الدول العربية، أمام خيارات صعبة، في ظل احتمالية الوقوع في فخ التبعية التكنولوجية أو الاضطرار إلى الانحياز لأحد المعسكرين على حساب مصالحها.

واختتمت الدكتورة غادة عامر تصريحها بالتأكيد على أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منافسة تقنية بين قوتين عالميتين، وإنما أصبح سباقًا على امتلاك أدوات التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن ومستقبل النظام الدولي.