في اللحظة التي كانت فيها أسواق الطاقة تحاول التقاط أنفاسها بين تصريحات واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، جاء الخبر من الشرق: أكبر مركز تكرير في العالم يغلق بابه أمام الخارج. فمع بداية عطلة "الأسبوع الذهبي" في الصين، توقفت صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات عمليًا، لتضيف ضربة جديدة إلى سوق وقود يعاني أصلًا من نقص المعروض، وتفتح سؤالًا ثقيلًا: من أين سيأتي الوقود إذا أغلقت بكين صنبورها؟
أفادت تقارير نقلتها وكالات الأنباء، الخميس 1 أكتوبر، بأن شركات التكرير الصينية علّقت صادرات المنتجات النفطية إلى كل الوجهات باستثناء هونغ كونغ وماكاو، إلى حين صدور تعليمات جديدة من بكين، وأن شركة "بتروتشاينا" الحكومية ألغت عددًا من شحنات البنزين ووقود الطائرات المقررة لشهر أكتوبر، وكان معظمها صفقات أُبرمت خلال الأسبوعين الماضيين، وتستند هذه المعلومات إلى مصادر مطلعة لم تكشف هويتها، ولم تعلن الحكومة الصينية قرارًا رسميًا حتى الآن، ما يعني أن الصورة قد تتغير بحسب ما ستعلنه بكين. وتبدأ العطلة الوطنية الممتدة أسبوعًا اعتبارًا من الأول من أكتوبر دون أن توافق الجهات المختصة على صادرات الشهر، ولا يُعرف ما إذا كانت الشحنات ستُستأنف بعد انتهائها في السابع من أكتوبر، وهو قرار قال متابعون إنه سيتوقف على مستويات المخزون المحلي وإنتاج المصافي.
لماذا تتحرك بكين الآن؟
لا يتعلق القرار بنقص النفط الخام بقدر ما يتعلق بنقص الوقود المكرر داخل الصين نفسها. فبحسب بيانات شركة "كبلر" التي نقلتها رويترز، تقل مخزونات الديزل التجاري في الصين بنحو 20 مليون برميل عن الحد الذي حددته بكين للسماح بالتصدير، بينما يقل مخزون البنزين بنحو 9 ملايين برميل. وتقول تحليلات سوقية إن مخزونات البنزين والديزل تراجعت إلى مستويات متدنية منذ سنوات. وهذا ليس السيناريو الأول من نوعه: ففي الخامس من مارس، بعد أيام من اندلاع الحرب على إيران، نقلت "بلومبرج" أن اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، أعلى جهة تخطيط اقتصادي في الصين، طلبت شفهيًا من كبرى شركات التكرير تعليق شحنات المنتجات المكررة فورًا، ووقف توقيع عقود جديدة، والتفاوض على إلغاء الشحنات المتفق عليها، مع استثناء وقود الطائرات والسفن المخزن في مستودعات خاضعة للجمارك وإمدادات هونغ كونغ وماكاو. وبعد تخفيف القيود في يوليو، أعادت بكين إدارة الصادرات شهريًا، قبل أن تعود إلى التشديد مع نهاية سبتمبر. وتأتي هذه الخطوة في سياق اعتماد الصين الكبير على الشرق الأوسط، الذي كان مصدر 57% من وارداتها البحرية المباشرة من الخام في 2025 بحسب "كبلر"، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في مضيق هرمز.
ماذا يعني ذلك للأسعار والأسواق؟
رغم أن الصين ليست أكبر مصدّر للوقود في آسيا، فإن غيابها يضاعف الضغط على سوق مُنهكة أصلًا. وجاءت ردة فعل الأسواق سريعة: إذ تحولت أسعار الخام من خسائر مبكرة إلى مكاسب بعد انتشار الخبر، وتجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل في تداولات الخميس بحسب تقارير الأسواق، مع صعود خام غرب تكساس الوسيط نحو 91 دولارًا. والأهم أن الضغط يتركز في المشتقات لا في الخام نفسه، إذ يُباع الديزل في آسيا حاليًا بعلاوة تقارب 75 دولارًا للبرميل فوق سعر الخام الذي يُصنَّع منه، بحسب ما نقلته تقارير الأسواق، وهو أمر يعني أن أسعار البنزين والديزل في محطات الوقود قد ترتفع بوتيرة أسرع من النفط الخام نفسه. ويتزامن ذلك مع أزمة ديزل أوسع: فروسيا حظرت صادراتها منه من يوليو حتى نهاية سبتمبر بحسب رويترز، وتبحث الإدارة الأمريكية قيودًا على صادراتها، وهو ما حذرت المفوضية الأوروبية من أنه قد يضر الطرفين. وبذلك يلتقي قرار بكين مع قيود روسية محتملة وأمريكية مطروحة في توقيت واحد، ما يجعل المشترين يتنافسون على كميات أقل من الشحنات.
الزاوية المصرية: هل تتأثر لجنة التسعير؟
في مصر، لا تزال أسعار الوقود مستقرة دون قرار جديد، إذ يبلغ سعر لتر بنزين 95 نحو 24 جنيهًا، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه، وبنزين 80 نحو 20.75 جنيه، والسولار 20.50 جنيه. وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أعلن في يوليو عودة لجنة التسعير التلقائي للانعقاد دوريًا، موضحًا أن قراراتها تستند إلى متوسطات تكلفة الإنتاج والاستيراد وليس إلى التحركات اللحظية في أسعار النفط، وأكدت وزارة البترول أن اللجنة لم تنعقد بعد ولم تصدر عنها قرارات جديدة. وفي تقدير تحليلي لا يمثل موقفًا رسميًا، فإن اتساع الفجوة بين أسعار الخام والمشتقات عالميًا قد يرفع تكلفة استيراد الديزل والبنزين على الدول المعتمدة على الخارج، بينما يتوقف أثر ذلك على مصر على حجم ما تستورده فعليًا وعلى بيانات التكلفة والدعم التي لم تُعلن بعد.
