على رصيف الميناء تقف حاوية بتكلفة معلومة على الورق، وبعد أيام قليلة يقف مواطن أمام رف في محل قريب من بيته ليدفع ثمنًا مختلفًا تمامًا لما كان بداخلها. بين المشهدين مسافة تُقاس بالكيلومترات والأيام، لكنها تُقاس عند المواطن بالجنيهات. وفي هذه المسافة تحمل السلعة أعباء شحن وتأمين، وتركب شاحنة تعمل بالسولار، وتمر على يد تاجر جملة ثم تاجر تجزئة، وفي كل محطة يُضاف رقم جديد إلى فاتورة لا يرى المستهلك منها سوى سطرها الأخير.
وبينما ارتفعت أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14% و17%، ويدفع المستهلك في بعض أنواع الخضروات ما بين 25% و40% فوق سعر الجملة، يطرح المواطن سؤالًا بسيطًا في صياغته، ثقيلًا في إجابته: أين يذهب الفارق؟ هل هو تكلفة حقيقية فرضها الوقود والنقل والشحن، أم هامش يتسع على طول السلسلة لأن أحدًا لا يضطر إلى خفضه؟ هذا ما نتتبعه في السطور التالية، من رصيف الميناء إلى رف المحل.
رحلة السلعة.. محطات تتراكم فيها التكلفة
لا تصل السلعة إلى المستهلك في خطوة واحدة. تبدأ الرحلة بالاستيراد أو الإنتاج، ثم الشحن والتأمين، فالتخليص والنقل إلى المخازن، ثم تاجر الجملة، فتاجر التجزئة، وأخيرًا المواطن. وعند كل محطة تُضاف تكلفة أو هامش ربح، وما يبدو زيادة محدودة في كل حلقة قد يتحول عند خط النهاية إلى فارق ثقيل على ميزانية الأسرة.
وتبدأ الضغوط من الخارج؛ فقد دفعت التوترات الإقليمية شركات الملاحة إلى فرض رسوم إضافية على الحاويات المتجهة إلى الموانئ المصرية، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين على الواردات، وتوقع اتحاد الغرف التجارية أن تصعد أسعار السلع المستوردة بنحو 10% بسبب هذه العوامل. وهذه حلقة لا يملك التاجر المحلي التحكم فيها، لكنها تصبح في بعض الأحيان مبررًا جاهزًا لزيادات تتجاوز حجم التكلفة الفعلية.
النقل.. العامل الأكثر حضورًا في التبريرات
يعتمد نقل البضائع في مصر بدرجة كبيرة على الشاحنات العاملة بالسولار، ولذلك ينعكس أي تحريك في أسعار الوقود مباشرة على أجور النقل بين الموانئ والمخازن والأسواق. وقد جاءت زيادات الوقود التي تراوحت بين 14% و17% لتدفع أسعار الشحن البري إلى الارتفاع بنسب مماثلة تقريبًا، بينما توقع رئيس جمعية نقل البضائع أن ترتفع رسوم النقل بنحو 25% بعد آخر تحريك لأسعار الوقود.
وأقر وزير النقل بأن ارتفاع أسعار الوقود يضغط على أسعار الغذاء وخدمات النقل، خصوصًا في السلع التي تعتمد على النقل البري في مراحل التوزيع المختلفة.
غير أن الصورة ليست واحدة في كل السلع. فبحسب تقديرات في قطاع مواد البناء، لا يمثل النقل سوى نحو 3% من تكلفة المنتج النهائي، وزيادة أجور نقل الطن بين 20% و25% تعني بضع عشرات من الجنيهات فقط. في المقابل، ترتفع حصة النقل في السلع الغذائية سريعة التلف والمتعددة الحلقات. وهنا تحديدًا تكمن النقطة الجوهرية: النقل عامل حقيقي، لكن وزنه يختلف من سلعة إلى أخرى، ولا يصلح أن يكون تفسيرًا موحدًا لكل زيادة.
ويضيف تجار في الغرف التجارية بُعدًا آخر، إذ يشيرون إلى أن آثار الوقود لا تظهر دفعة واحدة، وإنما تنتقل تدريجيًا مع إعادة تسعير كل شحنة جديدة. وهذا التدرج قد يكون تفسيرًا مشروعًا، لكنه يتحول إلى ثغرة حين يسبق رفع السعر وصول التكلفة الجديدة فعليًا إلى المخزون.
الفجوة بين الجملة والتجزئة
تكشف أسواق الخضروات مثالًا واضحًا على هذه الفجوة؛ فمع مطلع مارس 2026 رُصد فارق تراوح بين 25% و40% بين سعر الجملة وما يدفعه المستهلك النهائي في عدد من الأصناف، وأرجع تجار التجزئة ذلك إلى تكاليف النقل والتشغيل والفاقد. في المقابل، ظلت أسعار الورقيات أكثر ثباتًا، وهو ما يعني أن الفجوة لا تتحرك بالمنطق نفسه في كل الأصناف.
وهذا التباين يفتح سؤالًا مهمًا: إذا كانت تكلفة النقل واحدة تقريبًا، فلماذا تتسع الفجوة في سلع وتضيق في أخرى؟ والإجابة غالبًا تتعلق بطبيعة السوق نفسه، من حيث عدد المتنافسين في كل حلقة وسهولة دخول تجار جدد وقدرة المستهلك على المقارنة والبدائل المتاحة.
حين تغيب المنافسة.. تتحول التكلفة إلى سعر
في الأسواق التنافسية، يدفع التاجر جزءًا من زيادة التكلفة من هامشه حتى لا يخسر عملاءه إلى منافس أرخص. أما حين تضعف المنافسة في حلقة بعينها، سواء بسبب تركز الاستيراد في عدد محدود من الشركات أو سيطرة قنوات توزيع بعينها أو غياب الشفافية في الأسعار، فإن الزيادة تنتقل إلى المستهلك كاملة، وقد تتضاعف في الطريق.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود احتكار بالمعنى القانوني، فضعف المنافسة قد يظهر في صورة حواجز دخول مرتفعة أو اتفاقات غير معلنة على الأسعار أو اعتماد على وسطاء لا يضيفون قيمة حقيقية للسلعة. وهي صور يصعب رصدها دون بيانات تفصيلية عن هوامش الربح في كل مرحلة.
وقد أكد رئيس الوزراء في اجتماع مع رئيس جهاز حماية المنافسة في مارس الماضي أن الدولة لن تسمح بالتلاعب في أسعار السلع الأساسية أو حجبها عن الأسواق بهدف افتعال نقص في المعروض أو رفع الأسعار، بينما أوضح رئيس الجهاز أن أغلب القضايا التي يتابعها حاليًا ترتبط بالمتابعة اليومية لأسعار السلع، وأن لجنة شُكلت برئاسة رئيس الوزراء لمتابعة حركة السوق ومواجهة الممارسات الضارة بالمنافسة.
التشريع.. هل يملك الجهاز أدوات أقوى؟
يأتي هذا الملف في توقيت تشريعي لافت، إذ تتضمن تعديلات قانون حماية المنافسة التي ناقشها البرلمان خلال العام الجاري تحولًا في أدوات الرقابة؛ فهي تمنح الجهاز وضعًا مستقلًا يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، وتخوّل مجلس إدارته للمرة الأولى فرض جزاءات مالية إدارية مباشرة على الأشخاص الاعتبارية دون انتظار الأحكام القضائية، مع تغليظ الغرامات. كما تُنشئ لجنة عليا للحياد التنافسي برئاسة رئيس الوزراء، وتُدخل رقابة مسبقة على التركزات الاقتصادية ورفعًا لحدود الصفقات الخاضعة للعرض على الجهاز.
وتبقى الأسئلة العملية قائمة: متى يبدأ تطبيق هذه الأدوات؟ وهل يمتد عملها إلى حلقات التوزيع والنقل الداخلي، أم يقتصر على الصفقات الكبرى وحالات الهيمنة الواضحة؟ فالمواطن لا يتعامل مع شركات مندمجة بقدر ما يتعامل مع سلسلة من الحلقات الصغيرة والمتوسطة يصعب إخضاعها لرقابة تقليدية.
ما الذي يحتاجه المواطن فعلًا؟
يرى المتابعون للملف أن الحل لا يقف عند العقوبات، وإنما يمتد إلى عناصر تقلل فرص تضخم الأسعار من الأصل، من بينها:
- شفافية أكبر في الأسعار عبر نشر مؤشرات دورية للجملة والتجزئة تتيح مقارنة الفوارق بين المحافظات والأسواق.
- تقليل عدد الحلقات الوسيطة عبر ربط المنتجين والمزارعين بمنافذ البيع مباشرة حيثما أمكن.
- تطوير النقل واللوجستيات بما يخفض الاعتماد على الشاحنات وحدها ويحد من الفاقد وزمن الانتظار.
- دراسات قطاعية لهوامش الربح تحدد بالأرقام أين تتراكم الزيادة في كل سلعة رئيسية.
سؤال مفتوح
بين تكلفة حقيقية يفرضها الوقود والشحن، وهامش يتسع حيث تضعف المنافسة، يظل الفارق الفعلي بين الاثنين غير معلن بالأرقام لدى المواطن. وبينما تتجه الدولة إلى تقوية أدوات الرقابة، يبقى السؤال: هل تنجح هذه الأدوات في الوصول إلى الحلقة التي تتراكم فيها الزيادة فعلًا، أم تظل أسعار السلع رهينة سلسلة طويلة لا يرى المستهلك منها سوى آخر حلقاتها؟.
