لم تكن الأضواء تعرف طريقها إليهم بعد، ولم تكن الجماهير قد حفظت أسماءهم كما حدث في السنوات التالية.. ففي أكتوبر 1973، كان عدد من الرياضيين الذين أصبحوا لاحقًا علامات بارزة في كرة القدم والألعاب الأخرى، يعيشون فصلًا مختلفًا تمامًا من حياتهم داخل صفوف القوات المسلحة.
رياضيون شاركوا حرب النصر
في ذلك الوقت، لم يكن محمود الجوهري هو «الجنرال» الذي تعرفه الجماهير، ولم يكن محمود بكر قد أصبح صاحب الصوت الشهير في التعليق، ولم يكن سمير زاهر قد وصل إلى واحد من أهم المناصب في الكرة المصرية. كانوا وقتها يؤدون خدمتهم العسكرية، بعضهم ضباط، وبعضهم رياضيون واصلوا ارتباطهم بالملاعب بالتوازي مع واجبهم العسكري.
وبينما كانت حرب أكتوبر تكتب واحدة من أبرز صفحات التاريخ المصري، كان هؤلاء الرياضيون جزءًا من المشهد، قبل أن تمنحهم السنوات التالية شهرة ارتبطت بما قدموه داخل الملاعب أو في الإدارة أو الإعلام الرياضي.
قبل الشهرة.. محمود الجوهري ضابط في صفوف القوات المسلحة
حين نتذكر محمود الجوهري اليوم، نستحضر المدرب الذي صنع واحدة من أشهر صفحات الكرة المصرية، لكن الرجل كان له فصل عسكري سابق على كل هذه الشهرة.
وُلد الجوهري عام 1938، والتحق بالقوات المسلحة، وشارك في حرب أكتوبر برتبة مقدم، قبل أن ينهي خدمته العسكرية برتبة عميد في سلاح الإشارة.
وبعد سنوات، اتجه إلى التدريب، ليصنع اسمه الكبير في كرة القدم المصرية والعربية والأفريقية. لكن قبل أن يصبح «الجنرال» أحد أشهر ألقاب الكرة المصرية، كان الجوهري ضابطًا يؤدي مهمته في زمن الحرب.
سمير زاهر.. لاعب يؤدي واجبه قبل أن يصبح اسمًا بارزًا في الكرة
لم تكن مسيرة سمير زاهر الإدارية قد بدأت بعد عندما جاء موعد أكتوبر. كان لاعبًا سابقًا في الأهلي، وفي الوقت نفسه يؤدي خدمته بالقوات المسلحة التي التحق بها عام 1967.
امتدت سنوات خدمته حتى حرب أكتوبر، قبل أن يعتزل كرة القدم ويتجه تدريجيًا إلى العمل الإداري، ليصبح فيما بعد رئيسًا لاتحاد الكرة وأحد الأسماء المعروفة في إدارة الرياضة المصرية.
وهنا تكمن المفارقة في حكايته: الرجل الذي عرفته الجماهير لاحقًا من مكاتب اتحاد الكرة كان في سنوات شبابه جزءًا من جيل عاش تجربة الحرب من داخل القوات المسلحة.
حمادة إمام.. «الثعلب» الذي كان جنديًا قبل أن يصبح أسطورة
ارتبط اسم حمادة إمام بواحدة من أشهر قصص الكرة المصرية، لكن لقب «الثعلب» لم يكن قد وصل إلى المكانة التي عرفتها الجماهير لاحقًا.
نجم الزمالك وأحد أبرز لاعبي جيله كان أيضًا من الرياضيين الذين أدوا واجبهم في القوات المسلحة، ليجمع في سيرته بين حياة لاعب الكرة وحياة العسكري.
وبعد سنوات، أصبحت صورته بقميص الزمالك وصوته وحكايته الكروية جزءًا من ذاكرة الجماهير، لكن وراء هذه الصورة تجربة أخرى عاشها في مرحلة كانت فيها البلاد تستعد لمعركة فاصلة.
محمود بكر.. الضابط الذي أصبح لاحقًا صوتًا من أصوات الرياضة
قبل أن تجلس الجماهير أمام شاشات التلفزيون وتنتظر تعليق محمود بكر، كان الرجل لاعبًا في النادي الأوليمبي وضابطًا في القوات المسلحة.
التحق بكر بالخدمة العسكرية عام 1967، وخدم في سلاح الاستطلاع، وشارك في حرب أكتوبر، ثم أنهى خدمته برتبة عقيد.
بعد ذلك، انتقل إلى مساحات أخرى من الرياضة، فعمل في الإدارة والإعلام، قبل أن يصبح صوته أحد أشهر الأصوات المرتبطة بمباريات كرة القدم المصرية.
لكن شهرة المعلق لم تكن قد وُلدت بعد في أكتوبر 1973؛ كان بكر وقتها يؤدي دوره كضابط في القوات المسلحة.
محمد عبد العزيز قابيل.. لاعب الزمالك الذي أصبح قائدًا في الحرب
قصة اللواء محمد عبد العزيز قابيل تقدم نموذجًا أكثر وضوحًا لتداخل الرياضة والعسكرية.
فقد مارس قابيل كرة القدم بقميص الزمالك في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يواصل طريقه العسكري حتى وصل إلى مواقع قيادية بارزة.
وفي حرب أكتوبر، تولى قيادة الفرقة الرابعة المدرعة، ثم واصل مسيرته العسكرية بعد الحرب، بينما احتفظ في الوقت نفسه بعلاقته بالمجال الرياضي من خلال مناصب داخل نادي الزمالك والاتحاد المصري لكرة القدم.
لم تكن الجماهير تعرفه بوصفه أحد رموز الرياضة كما عُرف لاحقًا، لكن مسيرته وضعت اسم لاعب الكرة السابق في واحدة من أهم صفحات التاريخ العسكري المصري.
فكري صالح.. لاعب الزمالك الذي خدم في قوات الصاعقة
لم يكن فكري صالح وقت حرب أكتوبر هو مدرب حراس المرمى المعروف الذي عرفته أجيال لاحقة من لاعبي الكرة.
كان لاعبًا سابقًا في الزمالك، وأدى خدمته العسكرية كضابط في قوات الصاعقة خلال الحرب.
وبعد انتهاء المرحلة العسكرية، عاد إلى كرة القدم من موقع مختلف، واتجه إلى تدريب حراس المرمى، ليصبح لاحقًا أحد الأسماء المعروفة في هذا المجال.
وهكذا جاءت شهرته الرياضية بعد تجربة عسكرية سبقتها، وليس العكس.
حسام طه.. من سلاح الإمداد والتموين إلى التحكيم الدولي
القصة لم تقتصر على اللاعبين، فالحكم الدولي السابق اللواء حسام طه كان أيضًا ضابطًا في القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر.
خدم في سلاح الإمداد والتموين، واستمر في مسيرته العسكرية حتى التقاعد، قبل أن يرتبط اسمه بالتحكيم الرياضي.
وبعد سنوات، سار نجله أحمد حسام طه في الطريق نفسه، وأصبح حكمًا دوليًا، لتستمر علاقة الأسرة بعالم التحكيم.
صبري سراج.. إصابة غيرت حياته وبقيت الرياضة حاضرة
من أكثر القصص تأثيرًا قصة اللواء صبري سراج، لاعب كرة السلة السابق في الزمالك.
أثناء تدريباته العسكرية في سلاح المشاة، تعرض لإصابة أدت إلى فقدان ذراعه، لتصبح تجربته العسكرية جزءًا لا يمكن فصله عن سيرته الشخصية والرياضية.
ورغم ذلك، لم يبتعد عن الرياضة، بل عاد إليها واستمر في العمل داخل نادي الزمالك حتى أصبح نائبًا لرئيس النادي.
أسماء أخرى حملت الرياضة إلى جانب الواجب العسكري
وتتسع الدائرة لتضم عددًا من الرياضيين الذين جمعوا في مسيرتهم بين الرياضة والخدمة العسكرية، من بينهم اللواء أركان حرب محمد فريد حجاج، نائب رئيس اتحاد كرة اليد السابق، وحارس مرمى الاتحاد السكندري السابق هاني سرور، وحارس الزمالك السابق عبد الحميد شاهين.
كما تضم القائمة اللواء أركان حرب مصطفى كامل، الذي جمع بين مسيرته العسكرية وإنجازه في رياضة الخماسي، واللواء منير ثابت الذي خدم في القوات الجوية، قبل أن يصبح لاحقًا عضوًا في اللجنة الأولمبية الدولية، إلى جانب إبراهيم مبروك ومحمود أحمد علي، رئيس اللجنة الأولمبية واتحاد السلة السابق.
أكتوبر قبل أن تصبح الحكاية ذكريات
المثير في قصص هؤلاء الرياضيين أن معظم الأسماء التي نعرفها اليوم لم تكن تحمل وقتها الشهرة التي ارتبطت بها لاحقًا.
لم يكن الملعب هو المكان الذي ينتظرهم في تلك اللحظة، ولم تكن الجماهير هي من تراقب خطواتهم. كان هناك واجب آخر فرض نفسه، فكانوا جزءًا من جيل عاش الحرب وخدم في صفوف القوات المسلحة.
وبعد انتهاء المعركة، عاد بعضهم إلى الرياضة، واتجه آخرون إلى الإدارة أو الإعلام أو استكملوا حياتهم العسكرية. ومع مرور السنوات، صنعت الملاعب شهرتهم، لكن أكتوبر احتفظ بالنسخة الأولى من حكايتهم؛ نسخة لم تكن فيها الكاميرات تبحث عن نجم، وإنما عن جندي يؤدي واجبه.
فبعض الأسماء التي ارتبطت لاحقًا بالبطولات الرياضية، كانت بدايتها الحقيقية في لحظة لم يكن فيها هناك ملعب ولا كأس ولا أضواء.. وإنما وطن ينادي أبناءه.
