لم تكن فرحانة حسين سالم امرأة عسكرية تحمل رتبة أو ترتدي زيًا رسميًا، بل كانت سيدة سيناوية بسيطة، تنتمي إلى قبيلة الرياشات، وتعرف تفاصيل الحياة في شمال سيناء كما يعرفها أهلها. لكن خلف ملامحها الهادئة وحياتها اليومية، كانت تخفي سرًا كبيرًا؛ إذ تحولت بعد احتلال سيناء عام 1967 إلى واحدة من أبرز المشاركات في المقاومة المصرية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وبينما كان الاحتلال يرى أمامه امرأة تتنقل بحجة تجارة الأقمشة والملابس، كانت فرحانة تؤدي مهامًا بالغة الخطورة، من بينها رصد مواقع القوات الإسرائيلية وتحركاتها، ونقل المعلومات إلى الجانب المصري، فضلًا عن المشاركة في عمليات فدائية ضد قوات الاحتلال.
من سيناء المحتلة إلى طريق المقاومة
بدأت قصة فرحانة مع المقاومة عقب نكسة يونيو 1967، عندما وقعت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي. وتشير الروايات المنشورة عنها إلى أنها اضطرت إلى مغادرة سيناء مع أسرتها بعد الاحتلال، قبل أن تبدأ رحلة جديدة ارتبطت بالمقاومة والعمل الوطني.
وتنتمي فرحانة إلى قبيلة الرياشات، التي ارتبط وجودها بمناطق الشيخ زويد ورفح في شمال سيناء. ومع انتقالها إلى خارج سيناء، لم يكن خروجها يعني ابتعادها عن أرضها، بل تحول إلى بداية لرحلات العودة إليها، ولكن هذه المرة في إطار مهمة أكثر خطورة.
وبحسب روايات منشورة، تواصلت فرحانة مع شخصيات من أبناء سيناء المشاركين في المقاومة، وسعت إلى الانضمام إلى العمل الوطني، ثم تلقت تدريبًا عسكريًا قبل أن تبدأ تنفيذ المهام المكلفة بها. كما تشير مصادر إلى تعاونها مع إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع.
«تاجرة أقمشة».. الغطاء الذي أخفى مهمتها الحقيقية
كانت تجارة الأقمشة والملابس هي الغطاء الذي منح فرحانة قدرة على الحركة والتنقل. فقد كانت تدخل مناطق سيناء وتخرج منها، وتتعامل مع جنود الاحتلال وسكان المناطق المختلفة باعتبارها سيدة تمارس عملها المعتاد.
غير أن ما كان يبدو رحلة تجارية عادية كان في حقيقة الأمر جزءًا من مهمة سرية.
وخلال تحركاتها، كانت تراقب مواقع القوات الإسرائيلية، وترصد تحركاتها، وتجمع المعلومات التي يمكن أن تفيد الجانب المصري. وتشير روايات منشورة إلى أنها نقلت صورًا ووثائق ومعلومات عن مواقع عسكرية إسرائيلية، من بينها معلومات مرتبطة بمنطقة الجورة ومواقع ياميت.
ولم تكن المهمة سهلة؛ فكل رحلة كانت تحمل احتمال اكتشاف حقيقتها، وكل نقطة تفتيش كانت تمثل اختبارًا جديدًا لقدرتها على الحفاظ على الغطاء الذي تتحرك من خلاله.
من الذاكرة إلى المعلومات.. كيف كانت تجمع ما تراه؟
تكشف الروايات المنشورة عن جانب لافت في طريقة عمل فرحانة؛ إذ اعتمدت بدرجة كبيرة على قوة الملاحظة والذاكرة في رصد ما تشاهده خلال تحركاتها.
وبحسب بعض الروايات، كانت تتذكر تفاصيل المواقع والعلامات الموجودة على المعدات والمركبات، ثم تنقل ما جمعته بعد عودتها إلى الجانب المصري. كما وردت روايات عن استخدامها الرسم والتطريز للمساعدة في حفظ أو نقل بعض المعلومات، في ظل ظروف العمل السري وصعوبة حمل مستندات واضحة يمكن أن تكشف مهمتها.
وهكذا تحولت امرأة لا تعتمد على وسائل تقنية حديثة إلى عين للمقاومة داخل المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال.
القنابل داخل «بؤجة» الأقمشة
لم يقتصر دور فرحانة، وفق الروايات المنشورة، على جمع المعلومات ونقلها؛ إذ ارتبط اسمها أيضًا بعمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية.
وتذكر مصادر صحفية أن من بين أبرز العمليات المنسوبة إليها تفجير قطار في العريش كان يحمل معدات وبضائع مرتبطة بالقوات الإسرائيلية، إلى جانب عمليات استهدفت مركبات وجنودًا للاحتلال. كما ترد روايات عن إخفاء المتفجرات بين الأقمشة أو داخل متعلقاتها أثناء تحركاتها.
وهنا تحديدًا تظهر خطورة الدور الذي قامت به؛ فالسيدة التي كان يمكن أن يراها الجنود مجرد تاجرة متنقلة، كانت في الوقت نفسه جزءًا من شبكة مقاومة تعمل ضد وجودهم في سيناء.
حتى أبناؤها لم يعرفوا الحقيقة
ربما كان الجانب الأكثر إثارة في قصة فرحانة أن أقرب الناس إليها لم يكونوا يعرفون طبيعة ما تقوم به.
فبحسب شهادة نجلها شوقي سلامة التي نقلتها وسائل إعلام، كان أبناؤها يعتقدون أن والدتهم تسافر إلى سيناء لممارسة تجارة الأقمشة وتوفير احتياجات الأسرة، بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.
كانت رحلاتها بالنسبة لأبنائها غيابًا مرتبطًا بالتجارة، أما بالنسبة للمقاومة فكانت تلك الرحلات جزءًا من مهمة سرية محفوفة بالمخاطر.
وبذلك لم تكن فرحانة تخفي مهمتها عن الاحتلال وحده، وإنما اضطرت أيضًا إلى إبقاء تفاصيلها بعيدة عن أبنائها، حفاظًا على سلامتهم وعلى سرية العمل الذي تقوم به.
من نكسة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973
استمر دور المقاومة المصرية في سيناء خلال السنوات التي أعقبت احتلال يونيو 1967، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973، عندما بدأت القوات المسلحة المصرية معركة العبور وتحرير الأرض.
وفي هذه المرحلة، كان أبناء سيناء جزءًا مهمًا من منظومة دعم المجهود الحربي، من خلال جمع المعلومات ومراقبة تحركات القوات الإسرائيلية وتقديم الدعم للقوات المصرية.
وتأتي قصة فرحانة ضمن هذا السياق الأوسع للمقاومة الشعبية في سيناء، التي عملت على استنزاف الاحتلال وتوفير المعلومات اللازمة للجانب المصري خلال سنوات الاحتلال.
تكريم من السادات بعد الحرب
لم تذهب هذه التضحيات دون تقدير؛ فقد كرم الرئيس الراحل محمد أنور السادات فرحانة حسين سالم بعد حرب أكتوبر، ومنحها نوط الامتياز من الطبقة الأولى تقديرًا لدورها الوطني خلال فترة الاحتلال والمقاومة.
كما وثقت الندوة التثقيفية الـ31 للقوات المسلحة قصة فرحانة، وأشارت صراحة إلى تعاونها مع إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع وتكريم الرئيس السادات لها بنوط الامتياز من الطبقة الأولى.
وهكذا تحولت قصة المرأة السيناوية التي كانت تعمل في تجارة الأقمشة إلى واحدة من قصص المقاومة التي ارتبطت بتاريخ سيناء خلال السنوات الفاصلة بين نكسة 1967 ونصر أكتوبر 1973.
«شيخة مجاهدي سيناء».. ذاكرة لا تنطفئ
لم تكن فرحانة حسين سالم مجرد اسم في سجل المقاومة؛ فقد أصبحت مع مرور السنوات واحدة من الرموز التي تستحضرها سيناء عندما يُذكر دور أهلها في مواجهة الاحتلال.
واللافت في قصتها أن البطولة لم تأتِ في صورة تقليدية؛ فلم تكن تحمل رتبة عسكرية، ولم تكن ترتدي زيًا عسكريًا، ولم يعرف الاحتلال حقيقة مهمتها بسهولة.
كانت امرأة سيناوية تحمل الأقمشة وتتنقل بين المناطق، بينما تحمل في الوقت نفسه معلومات قد تصل إلى المخابرات المصرية، وتشارك في عمل مقاوم هدفه استعادة الأرض.
ومن هنا تبقى قصة فرحانة حسين سالم نموذجًا لدور المرأة السيناوية في المقاومة المصرية، ودليلًا على أن معركة استعادة سيناء لم تكن مواجهة عسكرية فقط، وإنما شارك فيها أيضًا مدنيون ومقاومون قدموا ما استطاعوا من أجل تحرير الأرض.
لقد ظن الاحتلال أنه يرى أمامه «تاجرة أقمشة» تعبر نقاط التفتيش، بينما كانت الحقيقة أن تلك المرأة البسيطة تخفي وراء رحلاتها قصة أخرى؛ قصة مقاومة امتدت من أعقاب نكسة 1967 وحتى نصر أكتوبر 1973، وانتهت بتكريم صاحبتها باعتبارها واحدة من نساء مصر اللاتي تركن بصمتهن في معركة استعادة سيناء.
