تواجه الأراضي الفلسطينية تطورات سياسية وإنسانية متزامنة، بعدما أكدت السلطة الفلسطينية تأجيل الانتخابات التشريعية التي كان من المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، في خطوة تعكس تعقيدات المشهد السياسي والأمني، بالتزامن مع تحذيرات أممية من تفاقم أزمة المأوى في قطاع غزة، مع اقتراب فصل الشتاء واحتمالات هطول أمطار غزيرة قد تؤدي إلى فيضانات في مناطق النزوح.

ويأتي التطوران في وقت تتواصل فيه التحديات المرتبطة بإعادة إعمار القطاع، وتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين، إلى جانب الانقسام السياسي الفلسطيني وصعوبة تنظيم انتخابات شاملة في ظل الظروف الراهنة.

تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى موعد غير محدد

أكدت السلطة الفلسطينية تأجيل الانتخابات التشريعية التي كان مقرراً إجراؤها في 28 نوفمبر 2026، وهي الانتخابات التي كان من شأنها أن تكون الأولى من نوعها على المستوى التشريعي منذ عام 2006. وجاء القرار بعد إبلاغ نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في رسالة مؤرخة في 8 أكتوبر، بأن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية اللازمة لإجراء الانتخابات لم تتحقق.

وأوضحت الرسالة أن إجراء الانتخابات في الظروف الحالية يواجه عقبات جوهرية تتعلق بشمولية المشاركة، وحرية الاقتراع، وضمان نزاهة العملية الانتخابية. وتشير التقارير إلى احتمال تأجيلها حتى سبتمبر 2027 على الأقل، دون أن يعني ذلك تحديد موعد نهائي جديد بصورة قاطعة. وتواجه العملية الانتخابية تحديات متعددة، أبرزها صعوبة تنظيم التصويت في قطاع غزة الذي تعرض لدمار واسع، إلى جانب العقبات المتعلقة بالقدس الشرقية، واستمرار الخلافات السياسية بين حركتي فتح وحماس، وعدم حسم عدد من الترتيبات اللوجستية والإجرائية.

وكانت الانتخابات التشريعية الأخيرة قد أُجريت عام 2006، وفازت حركة حماس حينها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، قبل أن يؤدي الانقسام السياسي إلى تعمق الخلاف بين القوى الفلسطينية، وسيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007. ويثير التأجيل مخاوف بشأن استمرار أزمة الشرعية السياسية، في ظل مطالب داخلية ودولية بتجديد المؤسسات الفلسطينية عبر انتخابات حرة وشاملة، وإنهاء الانقسام وتعزيز التمثيل السياسي للفلسطينيين.

نحو مليوني شخص في غزة بحاجة إلى المأوى

على الجانب الإنساني، حذرت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة من أن نحو مليوني شخص في قطاع غزة يحتاجون بصورة عاجلة إلى مساعدات المأوى قبل حلول الشتاء، في وقت لا تغطي فيه الإمدادات المتاحة سوى نحو 17% من الاحتياجات الشتوية المقدرة. وقالت المنظمة إن غالبية سكان القطاع لا يزالون يواجهون ظروفاً معيشية شديدة الصعوبة، بعدما اضطر كثيرون إلى النزوح مراراً، بينما تعيش عائلات عديدة في خيام ومساكن مؤقتة متضررة لا توفر الحماية الكافية من البرد والأمطار.

وأوضحت المنظمة أن أكثر من نصف الخيام والمساكن المؤقتة في غزة بحاجة إلى الاستبدال بسبب تدهور حالتها، فيما يعيش نحو 1.8 مليون شخص في مواقع نزوح، تقع غالبيتها في مناطق معرضة لخطر الفيضانات. كما أشارت إلى أن أكثر من 3600 مبنى جرى تحديدها في أغسطس الماضي باعتبارها منشآت غير آمنة ومعرضة لخطر الانهيار، وهو ما يزيد المخاطر التي تهدد السكان مع اشتداد الأمطار والرياح خلال فصل الشتاء. 

أمطار غزيرة تهدد مخيمات النزوح

وتتزايد المخاوف من أن يؤدي نمط مناخي مرتبط بظاهرة «النينيو» إلى هطول أمطار أشد غزارة خلال الموسم المقبل، ما قد يتسبب في غمر مخيمات النزوح بالمياه، خصوصاً في المناطق المنخفضة والساحلية. وتفاقم الأضرار التي لحقت بشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار من خطورة الوضع، إذ تسببت الحرب في تدمير واسع للبنية التحتية، بينما تعاني مناطق عديدة من تراكم الأنقاض وضعف الخدمات الأساسية.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن الفيضانات المحتملة قد تزيد انتشار الأمراض وتفاقم تلوث المياه، فضلاً عن إتلاف الخيام والممتلكات المحدودة التي تمتلكها العائلات النازحة. ورغم دخول بعض الخيام والأغطية إلى القطاع، فإن المنظمة الدولية للهجرة تؤكد أن حجم المساعدات لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية. كما أشارت إلى عدم السماح بدخول 8600 طقم من مستلزمات المأوى الطارئ، وفقاً لما أعلنته المنظمة، بسبب القيود المفروضة على إدخال مواد تصنفها السلطات الإسرائيلية باعتبارها ذات استخدام مزدوج.

أزمة سياسية وإنسانية متشابكة

يعكس تأجيل الانتخابات وتفاقم أزمة المأوى حجم التحديات التي تواجه الفلسطينيين على المستويين السياسي والإنساني. ففي الوقت الذي تتعثر فيه جهود تجديد المؤسسات التمثيلية وإنهاء الانقسام، لا تزال مئات الآلاف من العائلات تواجه صعوبات في الحصول على سكن آمن وخدمات أساسية. وتشير هذه التطورات إلى أن تنظيم انتخابات فلسطينية شاملة لا يرتبط فقط بتحديد موعد للاقتراع، بل يتطلب تهيئة ظروف تسمح بمشاركة الناخبين في مختلف الأراضي الفلسطينية، وضمان حرية التصويت ونزاهته. وفي المقابل فإن مواجهة أزمة المأوى في غزة تتطلب تسريع دخول مواد الإغاثة والإيواء، وإصلاح البنية التحتية المتضررة، وتوفير حلول أكثر استدامة من الخيام المؤقتة.

ومع اقتراب الشتاء، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأمطار والفيضانات إلى أزمة جديدة تضاف إلى معاناة سكان القطاع، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات الإنسانية أكبر بكثير من الموارد المتاحة للاستجابة لها.

للمذيد «فرنسا» بين وعود "لوكورنو" وغضب "الثانويات".. و «طهران» تدخل على الخط

للمذيد الديزل "أولاً".. «الطاقة الدولية» تسرّع سحب المخزونات الطارئة