تظل قاهرة المعز زاخرة بكنوزها التي تختزل التاريخ في جدرانها ومآذنها؛ وفي قلب منطقة السيدة عائشة، وتحديدًا بالقرب من سور مجرى العيون التاريخي، تقف «مئذنة الأمير أزدمر السيفي» (الأثر رقم 174) شامخة كشاهد عيان وحيد على مجمع معماري ضخم اندثرت معالمه عبر العصور. المئذنة التي تعود إلى العصر المملوكي الجركسي، تجسد فترات الازدهار المعماري والتقلبات السياسية والعسكرية العنيفة التي مرت بها مصر.

من كنف «قايتباي» إلى دوادارية «الغوري»
تبدأ القصة من منشئ الأثر، وهو الأمير أزدمر السيفي، الذي عاش رحلة إنسانية وعسكرية حافلة. نشأ الأمير في كنف السلطان الأشرف قايتباي، والذي أعتقه من الرق وأحاطه برعاية بالغة أهَّلته للتدرج السريع في المناصب العليا للدولة. ومع صعود نجمه، اختاره السلطان قانصوه الغوري ليتولى منصب "الدوادارية الكبرى"؛ وهو منصب رفيع يختص بحمل دواة السلطان وتوقيع المراسيم الرسمية، ليصبح يُعرف بلقب "أزدمر الدوادار".
ولم تدم رحلة الأمير الشاب طويلًا؛ ففي عام 912 هـ، كلفه السلطان الغوري بقيادة حملة عسكرية لردع الاضطرابات في نابلس. وعقب وصوله إلى غزة، داهمه مرض مفاجئ لم يمهله سوى ثلاثة أيام، ليفارق الحياة في عنفوان شبابه يوم الخميس 15 جمادى الأولى سنة 913 هـ (1507م). وحزنًا عليه، أمر السلطان بنقل جثمانه ليدفن في تربته بقرافة المماليك، ونزل الغوري من فوق فرسه ليزور قبره بنفسه في مشهد مهيب.

حملة بونابرت وتحويل الأثر إلى قلعة عسكرية
تشير الوثائق التاريخية إلى أن المئذنة الحالية كانت جزءًا من منشأة دينية وخيرية كبرى شيدها الأمير أزدمر بين عامي (1502 - 1503م). وكان المجمع يضم مسجدًا فسيحًا للصلاة، ومدافن، وسبيلاً لخدمة عابري السبيل في أطراف العاصمة.
غير أن المنشأة واجهت مصيرًا قاتمًا مع وصول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798م؛ إذ استغل جنود نابليون بونابرت الموقع الجغرافي المتميز للمجمع على أطراف المدينة، وحولوه إلى قلعة عسكرية ومحصن يتحصنون داخله أثناء اندلاع ثورات القاهرة. وأدت التغييرات والتحصينات العسكرية العنيفة التي أحدثها الفرنسيون إلى تدمير المسجد والسبيل تمامًا، ولم ينجُ من هذا الدمار سوى المئذنة التي بقيت صامدة حتى يومنا هذا.
عبقرية المعمار المملوكي.. تشريح هندسي للأثر
من الناحية المعمارية، تكشف المئذنة عن طراز فريد يجمع بين الدقة والقوة المعمارية؛ حيث تبدأ بقاعدة حجرية مربعة ترتفع مباشرة من سطح الأرض، ويزين أركانها العليا أعمدة أسطوانية مدمجة تعلوها مناطق مشطوفة على هيئة مثلثات مقلوبة. وفي ضلعها الشمالي الغربي، يوجد باب صغير بعقد مدبب - مسدود حاليًا - كان يقود قديمًا إلى درج المئذنة الداخلي، بينما تبرز من أضلاع القاعدة الأربعة شرفات ترتكز على مقرنصات مقعرة ذات دلايات بديعة.
وترتفع فوق القاعدة ثلاث دورات حجرية متدرجة
تأتي على شكل بدن مثمن يحتوي على ثماني دخلات معقودة، يرتكز كل منها على ثلاثة أعمدة مدمجة، وبها فتحات للتهوية والإنارة، وتنتهي بشرفة دائرية محاطة بنطاق مزخرف بالنقوش النباتية والهندسية.
بدن أسطواني أملس خالٍ من الزخارف، يفتح في أسفله باب يؤدي إلى الشرفة الثانية، والتي تهدمت معظم زخارف مقرنصاتها بفعل الزمن.
تتوج المئذنة على هيئة جوسق مفتوح يحتوي على ست فتحات معقودة بعقود ثلاثية ترتكز على مجموعات من الأعمدة الرشيقة، لتعكس في مجملها إبداعًا هندسيًا صمد لأكثر من خمسة قرون في وجه النكبات.
