تتصاعد حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة مع تمسك طهران بشروطها لإنهاء الحرب، بالتزامن مع استعدادات عسكرية تتحدث عنها مصادر إيرانية وإسرائيلية، ومخاوف من عودة المواجهات واسعة النطاق في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية. وفيما تلوّح إيران بالرد على أي اعتداء دون قيود، تؤكد واشنطن انفتاحها على جهود الوساطة، مع ترك القرار النهائي بشأن شروط التسوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتأتي هذه التطورات وسط تبادل للرسائل السياسية والعسكرية بين الجانبين، وتحركات إقليمية لاحتواء التصعيد، بالتزامن مع استمرار المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط بفعل المخاوف بشأن إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط.
إيران تستعد لحرب واسعة وتتمسك بشروط التفاوض
نقل التلفزيون الإيراني عن مصدر أمني أن طهران تستعد لحرب شاملة ومتعددة المستويات وواسعة النطاق، مشيرًا إلى أن السلطات قررت الرد على أي اعتداء أو عمليات قتل واغتيال دون قيود أو ضبط للنفس.
وبحسب ما أوردته قناة «برس تي في» الإيرانية، فإن القوات المسلحة الإيرانية في حالة استعداد كامل لاستهداف المصالح والأهداف التي تقع في متناولها، بما في ذلك ما وصفته بمصالح المعتدين وأنصارهم في المنطقة.
وفي السياق ذاته، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال لقائه قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران، الثلاثاء، على أن واشنطن لن تتمكن من استعادة ثقة بلاده إلا بتنفيذ الشروط السبعة التي طرحتها إيران في نيويورك.
وقال قاليباف إنه أبلغ نائب الرئيس الأمريكي، خلال المفاوضات التي استضافتها إسلام آباد، بأن سجل الإجراءات الأمريكية ضد إيران، قبل الثورة وبعدها، أدى إلى وصول انعدام الثقة بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة.
من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال لقائه المسؤول العسكري الباكستاني، ضرورة رفع الولايات المتحدة الضغوط والتهديدات والعقوبات المفروضة على طهران قبل الدخول في أي مفاوضات جديدة.
بدوره، شدد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي على أن جميع المواد النووية المخصبة ستبقى داخل إيران، مؤكدًا عدم الدخول في مفاوضات ما لم تنفذ واشنطن شروط بلاده.
وتعكس هذه التصريحات تمسك طهران بأوراق الضغط التي تستخدمها في مواجهة الولايات المتحدة، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تفاهم لإنهاء الحرب محاطة بعقبات سياسية وأمنية معقدة.
طهران تراهن على إطالة الحرب وترامب يتوعد بحسم المواجهة
وفي مؤشر على عمق الخلافات بين الجانبين، نقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار ومصدر مطلع أن طهران تعتقد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعد للجوء إلى هجمات جديدة لكسر الجمود في الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر.
وبحسب المصادر، فإن المخاوف الإيرانية من تجدد العمليات العسكرية، إلى جانب انعدام الثقة العميق بواشنطن، عززت تردد طهران في التوصل إلى اتفاق سريع لإنهاء الحرب. كما أشارت إلى أن مسؤولين إيرانيين يتعمدون إطالة أمد المفاوضات، في محاولة لإضعاف ترامب سياسيًا قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
في المقابل، قلل ترامب من فرص نجاح الرهان الإيراني على استمرار الحرب حتى موعد الانتخابات، قائلًا إن الإيرانيين يريدون أن تستمر المواجهة إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، «لكنهم يحلمون».
وأضاف الرئيس الأمريكي أن بلاده تحقق أداءً جيدًا في الملف الإيراني، مشيرًا إلى أنه لم يتبق أمام واشنطن سوى اتخاذ القرار النهائي بشأن الطريقة التي تريد بها تحقيق النصر.
وفي الوقت نفسه، أبدت الإدارة الأمريكية استعدادها لقبول جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب. وقال وزير الخارجية الأمريكي إن واشنطن ترحب بهذه الجهود، لكنه أوضح أن تحديد ما يمكن للولايات المتحدة قبوله في أي تسوية يظل قرارًا بيد الرئيس ترامب.
وتكشف المواقف المتباينة عن فجوة واسعة بين الطرفين؛ فبينما تربط طهران استئناف المفاوضات بتلبية مطالبها ورفع الضغوط المفروضة عليها، تتمسك واشنطن بحقها في تحديد شروط التسوية، مع إبقاء خيار التصعيد العسكري حاضرًا.
إسرائيل تدرس استئناف الضربات وسط مخاوف من تعافي القدرات الإيرانية
على الجبهة الإسرائيلية، أفادت صحيفة «فايننشال تايمز»، نقلًا عن مصادر، بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى استئناف الضربات واسعة النطاق ضد إيران، وأنه أصدر تعليمات للجيش في وقت سابق من أكتوبر الجاري بإعداد خطط لهجوم جديد وكبير.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مسؤولين أن تحركات إيرانية رُصدت خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى استئناف الاستعدادات العسكرية.
وذكرت الصحيفة أن إسرائيل تتابع جهود إيران لإعادة بناء قدراتها العسكرية، بعد الأضرار التي لحقت بها خلال ما يُعرف باسم «عملية زئير الأسد». وأضافت أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين حذروا من أن استعادة طهران قدراتها القتالية قد تفرض على إسرائيل اتخاذ خطوات دفاعية، رغم رغبة نتنياهو في تجنب التصعيد قبيل الانتخابات.
كما تناولت مشاورات أمنية إسرائيلية معلومات استخباراتية تشير إلى تحركات إيرانية تهدف إلى استعادة القدرات العسكرية التي تضررت خلال الضربات السابقة. ويرى مسؤولون إسرائيليون أن اكتمال هذه الاستعدادات قد يعزز القدرات القتالية لإيران بصورة كبيرة.
وتزيد هذه التقديرات من احتمالات تجدد المواجهة، خصوصًا في ظل استمرار انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، وتباين الحسابات الإيرانية والإسرائيلية بشأن مستقبل العمليات العسكرية.
مضيق هرمز في دائرة الخطر وأسعار النفط تواصل الصعود
ميدانيًا، لا تزال حركة الملاحة في مضيق هرمز تواجه مخاطر متزايدة، مع ورود تقارير عن حوادث استهداف واصطدام بألغام بحرية، في تطورات تثير مخاوف بشأن سلامة السفن وإمدادات الطاقة العالمية.
وفي هذا الإطار، أعلن الحرس الثوري الإيراني اشتعال النيران في ناقلة نفط عملاقة قال إنها خالفت القواعد المحددة للملاحة، بعد اصطدامها بلغم بحري جنوب مضيق هرمز.
كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتلقي بلاغ عن حادث وقع قبالة سواحل بخا في سلطنة عمان، في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة.
وامتدت تداعيات التصعيد إلى مناطق أخرى، إذ أفادت وكالة «رويترز» باستهداف مقر حزب حرية كردستان الإيراني المعارض في شرق أربيل بإقليم كردستان العراق بأربعة صواريخ. وفي خطوة تعكس المخاوف من اتساع نطاق التوتر، أغلق العراق منفذ الشيب الحدودي مع إيران أمام حركة الركاب والمركبات والشاحنات التجارية حتى إشعار آخر.
وعلى صعيد أسواق الطاقة، ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات الأربعاء، مدفوعة بالمخاوف المتعلقة بالإمدادات من الشرق الأوسط واحتمالات تفاقم الاضطرابات في المنطقة.
وزادت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.59 دولار، بما يعادل 1.5%، لتصل إلى 110.38 دولارات للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 1.36 دولار، أو 1.4%، إلى 99.18 دولارًا للبرميل.
ويعكس صعود الأسعار حساسية أسواق الطاقة تجاه التطورات العسكرية في محيط مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميًا، إذ إن استمرار المخاطر على حركة الشحن قد يفاقم المخاوف من اضطراب الإمدادات ويدفع الأسعار إلى مزيد من التقلب.
حسابات الحرب والوساطة أمام اختبار صعب
في ظل هذه التطورات، تبدو الأزمة الإيرانية أمام مسارين متوازيين؛ أولهما محاولات الوساطة التي تسعى إلى فتح نافذة للتفاوض، والثاني الاستعدادات العسكرية والتلويح باستئناف الضربات، بما يرفع مخاطر اتساع المواجهة إقليميًا.
وبين تمسك إيران بشروطها، وإصرار واشنطن على احتفاظ ترامب بقرار التسوية، وتحركات إسرائيل الرامية إلى منع طهران من استعادة قدراتها العسكرية، تظل فرص إنهاء الحرب مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات تحول دون تجدد العمليات.
وفي الوقت نفسه، يبقى مضيق هرمز وأسواق النفط من أبرز ساحات التأثر المباشر بالأزمة، إذ لا تقتصر تداعيات التصعيد على الأطراف المتحاربة، بل تمتد إلى أمن الملاحة وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل احتواء التوتر أولوية تتجاوز حدود المنطقة .
اقتصاد فرنسا تحت الضغط.. الشركات تتعثر والحكومة تدرس زيادة ال...
