انتقد ناجي الشهابي تصريحات وزير التربية والتعليم خلال فعاليات منتدى مصر، بشأن مطالبة أولياء الأمور بالتعب مع الوزارة حتى يتعلم أبناؤهم جيدًا، معتبرًا أن هذه التصريحات تفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول فلسفة تطوير التعليم في مصر، ومدى قدرة المدارس على تقديم تعليم حقيقي يخفف الأعباء عن الأسر ويحافظ على حق الأطفال في حياة متوازنة.
وطرح الشهابي تساؤلات بشأن الدور الأساسي للمدرسة، وما إذا كان المطلوب هو إرهاق الطلاب بكثرة التقييمات وإطالة اليوم الدراسي، أم بناء عقولهم وتنمية قدراتهم وتوفير بيئة تعليمية تساعدهم على الفهم والتحصيل داخل الفصول، دون تحميلهم وأسرهم أعباء إضافية تتجاوز احتياجات العملية التعليمية.
وأكد أن تطوير التعليم لا ينبغي أن يُقاس بحجم الأعباء المفروضة على الطلاب وأولياء الأمور، وإنما بمدى قدرة المنظومة التعليمية على تحقيق أهدافها، وتقديم معرفة حقيقية للطلاب، وتنمية مهاراتهم، بما يضمن أن تكون المدرسة المكان الأساسي للتعلم، لا مجرد محطة يتبعها استكمال الدراسة والتقييمات داخل المنزل.
ناجي الشهابي: هل أصبحت الأمهات بديلًا عن المعلمين في حل التقييمات؟
وتساءل الشهابي عن أسباب تزايد الأعباء التعليمية التي تتحملها الأسر، مشيرًا إلى أن أمهات كثيرات أصبحن يشاركن أبناءهن في حل التقييمات، ويتحملن مسؤوليات إضافية قد تجعلهن أقرب إلى القيام بدور المعلم داخل المنزل، بدلًا من الاكتفاء بمتابعة أبنائهن ومساندتهم في مسيرتهم التعليمية.
وأوضح أن التقييمات يفترض أن تكون وسيلة لقياس مدى استيعاب الطالب لما درسه داخل المدرسة، وتحديد نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تحسين، وليس تحويلها إلى عبء يومي يمتد تأثيره إلى الأسرة بأكملها، ويستهلك وقت الطفل ووالديه دون أن يكون ذلك بالضرورة دليلًا على تحقق التعلم المطلوب.
وشدد على أن مسؤولية تعليم الطفل تقع في الأساس على المنظومة التعليمية، التي يجب أن توفر له المعلم المؤهل والشرح الكافي والوقت المناسب للاستيعاب والتدريب، حتى لا تتحول الأسرة إلى طرف مضطر لاستكمال ما لم يتمكن الطالب من تحصيله داخل الفصل.
وأشار إلى أن نجاح أي نظام تعليمي يتطلب تحقيق التوازن بين متابعة مستوى الطلاب وتخفيف الضغوط غير الضرورية عنهم، مع مراعاة الفروق الفردية في قدراتهم وسرعة استيعابهم، وعدم التعامل مع كثرة التكليفات باعتبارها معيارًا مستقلًا لجودة التعليم.
الشهابي يتساءل عن المتابعة الميدانية: كيف تقيس الوزارة نجاح سياساتها؟
ووجّه الشهابي تساؤلات بشأن مصادر المعلومات التي تستند إليها وزارة التربية والتعليم في تقييم واقع المدارس، وما إذا كانت القرارات تُبنى على تقارير المسؤولين والاجتماعات المكتبية فقط، أم تستند أيضًا إلى متابعة ميدانية منتظمة، والاستماع إلى المعلمين وأولياء الأمور، والوقوف على التحديات التي تواجه الطلاب داخل الفصول وفي المنازل.
وأكد أن تقييم السياسات التعليمية يجب أن يعكس الواقع الفعلي للمدارس، بما يتضمنه من تحديات تتعلق بقدرة الطلاب على الاستيعاب، وحجم التكليفات والتقييمات، ومدى كفاية الشرح داخل الفصول، وتأثير اليوم الدراسي على وقت الطفل واحتياجاته النفسية والاجتماعية.
وأضاف أن الحديث عن تراجع الدروس الخصوصية لا يكفي وحده للحكم على نجاح المنظومة التعليمية، في ظل استمرار شكاوى أسر من الأعباء والتكاليف المرتبطة بالتعليم، معتبرًا أن تقييم النتائج يجب أن يستند إلى مؤشرات واضحة تكشف ما إذا كان الطلاب يحصلون بالفعل على المعرفة والمهارات المطلوبة داخل المدارس.
ولفت إلى أن عدد أيام الدراسة أو كثرة التقييمات لا يمثلان، بمفردهما، دليلًا على تحسن مستوى التعليم، موضحًا أن المعيار الأهم هو ما يكتسبه الطالب من فهم وقدرة على التفكير والتطبيق، ومدى تمكنه من استخدام ما يتعلمه في حياته الدراسية والعملية.
ناجي الشهابي: الطفل ليس آلة للتحصيل.. والتعليم مسؤولية دولة
وشدد الشهابي على أن الطفل ليس آلة للتحصيل الدراسي، وأن المدرسة لا ينبغي أن تتحول إلى مساحة للإرهاق المستمر، كما أن الأم ليست بديلًا عن المعلم، مؤكدًا أن من حق أطفال مصر الحصول على تعليم جيد دون أن يكون ذلك على حساب طفولتهم أو وقت راحتهم ولعبهم وحياتهم الأسرية.
وأضاف أن الأسرة من حقها أن تجد تعليمًا حقيقيًا داخل المدرسة، بدلًا من تحمل الأعباء التعليمية بصورة متكررة، سواء خلال اليوم الدراسي أو بعد العودة إلى المنزل، مشيرًا إلى أن دور الأسرة يجب أن يكون داعمًا للعملية التعليمية، لا تعويضًا عن أوجه القصور المحتملة فيها.
وأوضح أن الاعتراض لا يتعلق برفض التقييمات أو الوقوف ضد تطوير التعليم، وإنما بضرورة مراجعة الوسائل المستخدمة لتحقيق التطوير، والتأكد من أنها تتناسب مع قدرات الطلاب ولا تفرض على الأسر أعباء تفوق قدرتها على الاحتمال.
وطالب بضرورة قياس نجاح السياسات التعليمية من خلال النتائج الفعلية، وإعلان مؤشرات واضحة توضح مستوى التحصيل والفهم والمهارات التي يكتسبها الطلاب، إلى جانب إعادة الاعتبار لدور المدرسة والمعلم، وضمان حصول الأطفال على وقت كافٍ للراحة وممارسة أنشطتهم الحياتية.
واختتم الشهابي بالتأكيد على أن التعليم ليس اختبارًا لقدرة الأطفال على التحمل أو امتحانًا لصبر الأمهات، بل مسؤولية تقع على عاتق الدولة وحق أصيل لكل طفل، مشددًا على أهمية الإجابة عن تساؤلات أولياء الأمور بشأن ما يتعلمه أبناؤهم داخل المدارس، والأدلة التي تثبت نجاح السياسات التعليمية المتبعة.
وأكد أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الأعباء التي يتحملها الطلاب وأسرهم، وإنما بما تقدمه الدولة لهم من علم ومعرفة ومهارات، وبقدرة المدرسة على إعداد أجيال تمتلك أدوات التفكير والتعلم، وتحصل في الوقت نفسه على حقها في طفولة متوازنة ومستقبل أفضل.
