في تطور يعيد رسم ملامح التوتر في شرق البحر المتوسط، فجّرت مصادقة مجلس النواب الليبي على المذكرة البحرية مع تركيا أزمة جديدة، بعدما أعلنت مصر رفضها للخطوة وتمسكها بحقوقها السيادية، وسط اعتراضات يونانية وقبرصية، ومخاوف من انعكاسات الخلاف على ملفات الطاقة والنفوذ الإقليمي.
لم يعد الخلاف حول المذكرة البحرية الموقعة عام 2019 مجرد نزاع على خطوط ترسيم الحدود، بل تحول إلى ملف تتشابك فيه الحسابات القانونية والمصالح الاستراتيجية، مع تجدد التساؤلات حول مدى تأثير الاتفاق على الحقوق البحرية للدول المطلة على شرق المتوسط، ومستقبل التوازنات الإقليمية في واحدة من أكثر المناطق أهمية في ملف الطاقة.
وتأتي هذه التطورات بعد مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الخاصة بتحديد مناطق الصلاحية البحرية مع تركيا، في خطوة أعادت الاتفاق إلى صدارة المشهد السياسي والدبلوماسي، ودفعت القاهرة إلى تجديد اعتراضها على ما تعتبره مساسًا بحقوقها البحرية.
مصر ترفض المذكرة التركية الليبية وتتمسك بحقوقها السيادية
أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها مصادقة مجلس النواب الليبي على المذكرة البحرية، مؤكدة أن الاتفاقية، وفق الموقف المصري، باطلة بطلانًا مطلقًا ومعدومة الأثر القانوني، ولا تنشئ أي التزامات أو آثار قانونية في مواجهة القاهرة.
وشددت الخارجية على أن المذكرة تتعارض مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، معتبرة أنها تمثل مساسًا بالحقوق السيادية المصرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بشرق البحر المتوسط.
وجددت مصر تمسكها بحدودها البحرية المعلنة والمودعة لدى الأمم المتحدة، مؤكدة احتفاظها بكامل حقوقها في حماية مصالحها السيادية والتصدي لأي خطوات من شأنها التأثير في تلك الحقوق.
ويعكس الموقف المصري تمسك القاهرة بالمسار القانوني والدبلوماسي في التعامل مع الملف، في وقت تتجاوز فيه تداعيات الاتفاق حدود العلاقات الثنائية بين تركيا وليبيا، لتلامس مصالح عدد من الدول المعنية بترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد الطاقة في المنطقة.
لماذا تثير المذكرة أزمة بين مصر وتركيا وليبيا؟
تعود المذكرة إلى 27 نوفمبر 2019، عندما وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة فائز السراج اتفاقًا بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين الجانبين.
وتستند تركيا والجهات الليبية المؤيدة للمذكرة إلى رؤيتهما لترسيم الحدود البحرية ومبدأ الإنصاف، بينما تتمحور الاعتراضات على الاتفاق حول مدى مراعاته للحقوق البحرية للجزر، ومدى توافق خط الترسيم مع قواعد القانون الدولي للبحار.
وتبرز اليونان في مقدمة المعترضين، إذ تتمسك بالحقوق البحرية لجزرها، وعلى رأسها جزيرة كريت، وترى أن الاتفاق يتجاهل الأثر القانوني لهذه الجزر في تحديد المناطق البحرية. كما تعترض قبرص على المذكرة، بسبب ما تعتبره تهديدًا لحقوقها البحرية ومصالحها المرتبطة بالتعاون الإقليمي في مجال الطاقة.
وتتصل هذه الاعتراضات بالتنافس على موارد الغاز الطبيعي ومشروعات التنقيب وخطوط نقل الطاقة، ما يجعل الخلاف أكثر تعقيدًا من مجرد اختلاف على الحدود البحرية، ويمنحه أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية متداخلة.
مصادقة البرلمان الليبي تفتح فصلًا جديدًا في الأزمة
تكتسب مصادقة مجلس النواب الليبي أهمية خاصة في ضوء مواقفه السابقة من الاتفاقيات الموقعة مع تركيا، إذ سبق أن أعلن في عام 2020 رفض اتفاقيات أُبرمت مع أنقرة، قبل أن يصادق على المذكرة البحرية في تحول لافت في موقفه من الاتفاق.
كما رحب صدام حفتر، نائب القائد العام للقيادة العامة في شرق ليبيا، بالخطوة، معتبرًا الاتفاق أداة يمكن توظيفها لحماية المصالح الوطنية والسيادة الليبية، وفق ما أوردته التغطية الصحفية للتطورات.
لكن المصادقة البرلمانية لا تعني وحدها انتهاء الخلاف بشأن شرعية المذكرة أو حسم آثارها القانونية في مواجهة الدول الأخرى؛ إذ تظل هناك اعتراضات تتعلق بظروف إبرام الاتفاق وصلاحيات الجهات التي وقعته، فضلًا عن الخلاف حول مدى توافق مضمونه مع قواعد القانون الدولي.
وتضع هذه التطورات العلاقات بين الأطراف المعنية أمام مرحلة جديدة من التجاذبات، مع ترقب ما إذا كانت الأزمة ستقود إلى تحركات دبلوماسية وقانونية إضافية، أم ستظل ضمن مسار الخلافات القائمة حول ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط.
