أكد الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، أن بناء منظومة صحية آمنة لا يعتمد فقط على توافر المعايير وتطور الإمكانات الطبية، بل يرتكز على قدرة المؤسسات الصحية على حماية المرضى من المخاطر التي يمكن تجنبها، وضمان استمرارية الرعاية وتكاملها في مختلف مراحل العلاج.

وأوضح طه أن سلامة المرضى، خاصة المصابين بالأمراض غير السارية والمزمنة، تتطلب رؤية شاملة تبدأ بالوقاية والكشف المبكر، وتمتد إلى دقة التشخيص وسلامة العلاج والمتابعة المستمرة، مشددًا على أن المريض لا ينبغي أن يتحمل نتائج ضعف التنسيق بين الجهات الصحية أو انقطاع التواصل بين مقدمي الخدمات.

جاء ذلك خلال ثلاث جلسات نقاشية متخصصة نظمتها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية ضمن فعاليات مؤتمرها السنوي لسلامة المرضى 2026، بمشاركة قيادات الهيئات الصحية المصرية، وممثلي منظمة الصحة العالمية والقطاع الخاص، إلى جانب نخبة من الخبراء والمتخصصين، لمناقشة تطوير الشراكات الاستراتيجية، وتأمين رحلة المريض، وتعزيز سلامة رعاية الأمراض غير السارية.

 أحمد طه: سلامة المرضى مسؤولية مشتركة تبدأ بالوقاية

وشدد رئيس الهيئة على أن الرعاية الصحية الأولية تمثل خط الدفاع الأول لحماية المرضى، لما تؤديه من دور محوري في الوقاية والكشف المبكر ومتابعة الحالات الصحية، مؤكدًا أهمية إتاحة الخدمات الآمنة للمواطنين في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.

وأشار إلى أهمية الاستفادة من جهود المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» في تطوير الخدمات الصحية بالريف المصري، إلى جانب إحكام إجراءات تسليم وتسلم الحالات الطبية، وضمان انتقال المعلومات والمسؤوليات بوضوح بين الفرق الطبية ومقدمي الخدمة.

كما أكد ضرورة تعزيز الوعي الصحي وإشراك المرضى وأسرهم في الوقاية وإدارة الأمراض المزمنة، بما يسهم في ترسيخ سلامة المرضى كثقافة مؤسسية ومجتمعية، وليس مجرد مجموعة من الإجراءات داخل المنشآت الصحية.

 شراكة القطاعين العام والخاص لتوسيع الخدمات الصحية الآمنة

ناقشت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان «الشراكات بين القطاعين العام والخاص من أجل سلامة المرضى: العمل متعدد القطاعات لرعاية أكثر أمانًا»، سبل تعزيز التكامل بين الجهات المنظمة والممولة والمقدمة للخدمات الصحية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في منظومة التأمين الصحي الشامل، بما يدعم إتاحة خدمات عالية الجودة وآمنة للمواطنين.

وأدار الجلسة الدكتور جاسر جاد الكريم، منسق النظم الصحية بمكتب منظمة الصحة العالمية في مصر، بمشاركة الدكتور محمد السايس، المدير التنفيذي للهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، والدكتور أمير التلواني، المدير التنفيذي للهيئة العامة للرعاية الصحية، والمهندس حسام صادق، المدير التنفيذي للهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، والدكتور زياد الأحول، رئيس قطاع الشؤون الحكومية والسياسات الصحية ودعم الأسواق بشركة «روش».

وأكد الدكتور محمد السايس أن رؤية الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية ترتكز على تطبيق معايير جودة موحدة على مختلف مقدمي الخدمات الصحية، استنادًا إلى مرجعيات دولية تضمن تكافؤ الفرص والمنافسة العادلة بين القطاعات.

وأضاف أن جهود الهيئة تشمل تأهيل المنشآت الصحية وتدريب الكوادر، إلى جانب تطوير معايير التميز الإكلينيكي والمستشفيات الخضراء، بما يعزز جودة الرعاية الصحية واستدامتها.

من جانبه، أوضح الدكتور أمير التلواني أن الشراكة الفعالة مع القطاع الخاص تتيح فرصًا أوسع لتبادل الخبرات وبناء القدرات وتطوير خدمات الرعاية الأولية، مشيرًا إلى أن التكامل والمنافسة الإيجابية بين مقدمي الخدمة يسهمان في تحسين الأداء ورفع كفاءة التشغيل وتعزيز سلامة المرضى، خاصة من خلال تطوير نظم الإحالة والتنسيق بين مستويات الرعاية المختلفة.

التأمين الصحي الشامل يربط التعاقدات باحتياجات المواطنين

وأشار المهندس حسام صادق إلى أهمية الاعتماد على خرائط الاحتياجات الصحية الفعلية للمواطنين عند التخطيط للتعاقدات، من خلال تحليل التوزيع السكاني والخدمات المتاحة والفجوات في التخصصات الطبية.

وأكد أن جودة الخدمة ومدى إتاحتها يجب أن يكونا المعيار الأساسي للتعاقد، بما يضمن حصول المريض على الرعاية المناسبة، حتى إذا تطلبت حالته تلقي الخدمة خارج نطاق محافظته.

ومن منظور القطاع الخاص، أوضح الدكتور زياد الأحول أن سلامة مرضى الأمراض غير السارية تبدأ بالتشخيص الدقيق، وتمتد إلى ضمان استمرارية العلاج وإتاحة الأدوية المبتكرة.

وأشار إلى أهمية التعاون متعدد القطاعات في سد الفجوات العلاجية، ورقمنة مسارات المتابعة، وتعزيز السلامة الدوائية، بما يسهم في الحد من المضاعفات وتحسين جودة حياة المرضى، مؤكدًا اعتزاز شركة «روش» بشراكتها الاستراتيجية مع الهيئات الصحية المصرية.

«جهار» تؤكد أهمية حماية رحلة المريض من التشخيص إلى المتابعة

وركزت الجلسة الثانية، بعنوان «حماية رحلة المريض: من الكشف والتشخيص إلى رعاية آمنة ومستمرة»، على أن سلامة المريض لا ترتبط بإجراء طبي منفرد، وإنما تعتمد على سلسلة مترابطة من القرارات والممارسات، قد يؤثر أي خلل في إحداها على نتائج الرعاية بأكملها.

وأدار الجلسة الدكتور سيد العقدة، عضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، بمشاركة الدكتورة ميهي التحيوي، عضو مجلس إدارة الهيئة، والدكتورة نانسي الجندي، أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية والكيميائية بجامعة القاهرة، والدكتورة نهى الصناديدي، رئيس الإدارة المركزية للرعاية الأولية بالهيئة العامة للرعاية الصحية، والدكتورة سهام السعدني، رئيسة لجنة الأشعة بالهيئة واستشاري الأشعة والجودة الصحية، والأستاذة عبير البحيري، رئيس الإدارة المركزية للرعاية الصيدلية بهيئة الدواء المصرية.

وأكد الدكتور سيد العقدة أن تقييم رحلة المريض يجب ألا يقتصر على كفاءة الإجراءات وسرعة تقديم الخدمة، بل ينبغي أن يشمل شعور المريض بالأمان، ووضوح المعلومات المقدمة إليه، واحترام احتياجاته وحقوقه، بما يجعل تجربة المريض عنصرًا أساسيًا في قياس جودة الرعاية الصحية.

 دقة التشخيص وسلامة الدواء في مقدمة أولويات حماية المرضى

وتناولت مناقشات الجلسة أهمية ضمان دقة الفحوصات المعملية والتشخيص بالأشعة، وسرعة الإبلاغ عن النتائج الحرجة، والحد من التعرض غير الضروري للإشعاع، إلى جانب تعزيز نظم رصد الأخطاء الدوائية والآثار الجانبية وضمان الاستخدام الآمن للأدوية.

وأكد المشاركون أهمية هذه الإجراءات بصفة خاصة لدى المرضى الذين يحتاجون إلى تناول أدوية متعددة لفترات طويلة، لما قد يرتبط بذلك من مخاطر وتداخلات دوائية تستلزم متابعة دقيقة وتنسيقًا مستمرًا بين الفرق الطبية.

كما ناقشوا فرص توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتطبيب عن بُعد في تحسين التشخيص والمتابعة ودعم القرارات الطبية، مع التأكيد على ضرورة إخضاع هذه التقنيات للحوكمة والرقابة المهنية والتحقق من نتائجها، باعتبارها أدوات مساندة للخبرة الطبية وليست بديلًا عن المسؤولية المهنية.

وشددت الجلسة على أن استمرارية الرعاية وانتقال المعلومات بصورة دقيقة بين مقدمي الخدمة لا يقلان أهمية عن جودة التدخل الطبي نفسه، وأن حماية المريض تتطلب منظومة قادرة على اكتشاف المخاطر مبكرًا ومنع تحولها إلى أضرار صحية يمكن تجنبها.

 خبراء الصحة يدعون إلى تحويل معايير الجودة إلى ممارسات يومية

واختُتمت فعاليات الجلسات بجلسة حملت عنوان «ما بعد المعايير: بناء نظم أكثر أمانًا لرعاية الأمراض غير السارية»، وناقشت آليات تحويل متطلبات الجودة والاعتماد من إجراءات تنظيمية إلى ممارسات يومية داخل المنشآت الصحية، تنعكس بصورة مباشرة على سلامة المرضى ونتائج العلاج.

وأدارت الجلسة الدكتورة ولاء عبد اللطيف، عضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، بمشاركة الدكتورة علا شوقي، عميد معهد التغذية القومي، والدكتور محمد الفيومي، مسؤول سلامة المرضى بمنظمة الصحة العالمية، والدكتورة مروة طه، مدير الإدارة المركزية للجودة بالهيئة العامة للرعاية الصحية.

وتناولت المناقشات أبرز التحديات المرتبطة برعاية مرضى الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها تعدد الأدوية وتداخل الخطط العلاجية وضعف استمرارية المتابعة، إلى جانب أهمية التكامل بين التخصصات الطبية، وتعزيز التثقيف الصحي والغذائي، وتمكين المرضى من المشاركة الواعية في القرارات المتعلقة بعلاجهم.

وأكد المشاركون أن نجاح معايير الجودة لا يُقاس بمجرد استيفاء متطلباتها، وإنما بمدى قدرتها على تغيير الممارسات اليومية، والحد من الأخطاء والمضاعفات، وبناء ثقافة مؤسسية تقوم على التعلم المستمر والإبلاغ عن المخاطر والتحسين المستدام.

توصيات بتكامل الجهود لتعزيز سلامة الرعاية الصحية

وخلصت الجلسات الثلاث إلى أن تحقيق رعاية صحية أكثر أمانًا واستدامة يتطلب تكاملًا حقيقيًا بين الجهات التنظيمية والتمويلية ومقدمي الخدمات الصحية، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتحسين التنسيق بين مستويات الرعاية المختلفة.

كما أكدت المناقشات أهمية الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، ورفع كفاءة الكوادر الطبية، وتمكين المرضى من المشاركة في حماية صحتهم، مع إعطاء أولوية للوقاية والكشف المبكر والمتابعة المنتظمة، خاصة في حالات الأمراض المزمنة وغير السارية.

وأكدت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية أن دورها لا يقتصر على وضع المعايير وتقييم مدى الالتزام بها، بل يمتد إلى دعم التحسين المستمر وترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل سلامة المرضى أساسًا لكل قرار وممارسة داخل المنشآت الصحية.

وشددت الهيئة على أن الهدف النهائي من تطبيق معايير الجودة ليس الحصول على شهادة اعتماد فحسب، وإنما ضمان حصول كل مريض على رعاية آمنة في مختلف مراحل العلاج، تحفظ صحته وتصون كرامته وتحميه من الأضرار التي يمكن تجنبها.