في قلب حي الموسكي العتيق، وتحديدًا بشارع الرويعي بمنطقة العتبة بالقاهرة، يقبع الأثر رقم (55)، شاهدًا على عصر ازدهار حركة التجارة وعمران المساجد في مصر العثمانية والمملوكية، إنه مسجد الخواجة شهاب الدين أحمد بن أحمد الرويعي، الذي أُنشئ في الفترة ما بين 1020 - 1047 هـ / 1607 - 1637م، ليمثل تحفة معمارية متميزة تختزل تاريخًا حافلاً من الكفاح التجاري والتقلبات التاريخية.

رحلة الشهبندر.. من تجارة التوابل برشيد إلى قصر العاصمة
تعود جذور المنشئ، الخواجة شهاب الدين أحمد الرويعي، إلى أصول مغربية. بدأ حياته التجارية من مدينة رشيد الباسلة، حيث ذاع صيته في تجارة التوابل، وامتلك هناك وكالته الشهيرة المعروفة بـ«ابن النفيس». ومع اتساع طموحه وازدهار تجارته، امتدت شرايين أعماله إلى الإسكندرية ثم استقر أخيرًا بالقاهرة.
وفي العاصمة، وبفضل ثروته ومكانته، نال الرويعي لقب «شهبندر التجار». ولم يكتفِ بالنجاح الاقتصادي، بل شيّد قصرًا فخمًا ألحق به مسجده القائم حتى اليوم، وأنشأ أمامه قبة ضريحية خصصها ليدفن بها، حريصًا طوال حياته على الاعتزاز بلقبه الأصيل «الرشيدي». وقبيل وفاته، أعدّ ابن أخيه «علي بن محمد الرويعي» ليخلفه في قيادة إمبراطوريته التجارية، ونجح في تنصيبه شهبندرًا للتجار عام 1612م، ليرحل الخواجة بعد ذلك ويدفن في ضريحه المواجه للمسجد.
حملة فرنسية مخرّبة.. وتقارير تاريخية حسمت مصير المئذنة
مرّ المسجد بمحطات تاريخية عصيبة؛ حيث تعرض للتخريب والدمار على يد قوات الحملة الفرنسية أثناء ثورات القاهرة، مما أصابه بأضرار جسيمة حوّلته داخليًا إلى مسجد بسيط.
وفي عام 1903م، كاد المسجد أن يفقد مئذنته الشامخة حين أفاد ديوان الأوقاف «لجنة حفظ الآثار العربية» بأن المئذنة مائلة ويُخشى سقوطها. إلا أن المعاينة الفنية الدقيقة للجنة أثبتت استقامة المئذنة وعدم وجود أدنى خطورة عليها، فتقرر تسجيلها ضمن الآثار الإسلامية وحمايتها.

وقد وُصف الجامع تاريخيًا في كتب «الخطط» بأنه كان يضم صهريجًا ضخمًا يُملأ سنويًا من مياه النيل العذبة لشرب المصلين وأهالي المنطقة، وكانت تقابله القبة الضريحية وبجوارها قطعة أرض موقوفة تضم «شجرة نبق» شهيرة.
التخطيط المعماري.. هندسة البلاطات الثلاث و«مئذنة البرديني»
يتميز المسجد بجمال بساطته وصغر مساحته؛ حيث يحتوي على واجهتين: الواجهة الرئيسية (الجنوبية الغربية): تطل على حارة الرويعي وتضم المدخل الرئيسي والمئذنة.

الواجهة الفرعية (الجنوبية الشرقية): تضم مدخلًا جانبيًا عند طرفها الشرقي
ومن الداخل، يتكون بيت الصلاة من سقف من البراطيم الخشبية تتوسطه «شخشيخة» (منور خشبي) غير مكتملة بنوافذ صغيرة للإضاءة والتهوية. وينقسم بيت الصلاة إلى ثلاث بلاطات طولية تحملها خمسة أعمدة حجرية:
البلاطة الأولى: تشمل جدار القبلة والمحراب.
البلاطة الوسطى: تعلوها الشخشيخة المضيئة.
البلاطة الثالثة: تعلوها دكة أو مساحة مخصصة لصلاة السيدات.
أما المئذنة، التي تُعدّ أبرز مميزات المسجد وتشبه في تصميمها منارة جامع البرديني الشهير،و فقد بُنيت من الحجر والطوب الأحمر. وتقوم على قاعدة مربعة يعلوها طابقان؛ الأول مثمن الشكل والثاني دائري، وكانت تتوجها «خوذة» من الطراز المملوكي سقطت أجزاؤها العلوية في منتصف القرن التاسع عشر، لتظل المئذنة بقاعدتها وطابقيها شاهدًا حيًا على عظمة العمارة الإسلامية في قلب قاهرة المعز.
