قال أحمد سلطان، الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، إن التحركات السياسية والعسكرية خلال الأيام الأخيرة تعطي مؤشرات على تجهيزات أكثر جدية لاحتمالية استئناف الحرب الإيرانية، وهو ما يثير تساؤلًا بشأن إمكانية شن ضربات أمريكية إسرائيلية جديدة ضد طهران خلال الفترة المقبلة.
تعثر المفاوضات واستمرار الحشد العسكري.. مؤشرات على احتمالات التصعيد
وفي هذا السياق، أوضح "سلطان"، أن من بين أبرز المؤشرات على احتمالية استئناف الحرب عدم تحقيق اختراق في المفاوضات وتعثرها، بالتزامن مع استمرار الحشد العسكري في المنطقة من جميع الأطراف، بما في ذلك تجارب إطلاق الصواريخ من قبل الحرس الثوري، فضلًا عن بعض التسريبات التي تشير إلى خطة إسرائيلية لتنفيذ ضربات ضد إيران.
وعلى صعيد متصل، تأتي زيارة وزير الحرب الأمريكي هيغسيث، التي تُفسر بأنها أقرب إلى مناقشة تفاصيل ضربات محتملة منها إلى كونها زيارة عادية.
وفي الوقت نفسه، تجدر ملاحظة أن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ليست شيئًا واحدًا، فهناك تمايز بينهما، رغم الاتفاق على عداء إيران.
ومع ذلك، فإن الجزم بأن كل هذه المؤشرات لا تعني إلا ضربة وشيكة أمر خاطئ، إذ لا تزال هناك محاولات دبلوماسية للتوصل إلى اتفاق، وإن كانت متعثرة ومتعسرة في آن واحد.
وفي ضوء هذه المتغيرات، يمكن الحديث عن أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المواجهة الإيرانية، تتفاوت احتمالات تحققها وفقًا للتطورات العسكرية والسياسية ومسار المفاوضات.
السيناريو الأول: ضربة عسكرية محدودة المدة والنطاق
يتمثل السيناريو الأول في توجيه واشنطن وتل أبيب ضربة ضد مجموعة من الأهداف الإيرانية المنتقاة، تشمل، على الأرجح، أهدافًا عسكرية ومنشآت للبنية التحتية المدنية.
أولًا: الأهداف العسكرية
تشمل منشأة جبل الفأس، وأصولًا عسكرية إيرانية، لا سيما القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والدفاع الجوي.
ثانيًا: منشآت البنية التحتية المدنية والطاقة
قد يبدو منطقيًا أن الضربة المحدودة ستركز على الأصول العسكرية، بينما ترجح الخبرة المستمدة من تحليل أسلوب ونهج واشنطن وتل أبيب في هذا الصراع أن الأهداف ستشمل الأهداف العسكرية والمدنية معًا.
وفي هذا الإطار، قد يرتبط إرسال واشنطن بطاريتي باتريوت إضافيتين خلال الأسابيع الأخيرة إلى السعودية وقطر باحتمالية استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وتقدير أن الرد الإيراني سيشمل منشآت الطاقة الخليجية، فلا يبدو أن الهدف مجرد توفير حماية إضافية في ظل التصعيد مع الحوثي، بالإضافة إلى استهداف القيادة والسيطرة.
كذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن النموذج العملياتي المتبع من الحليفين في هذه الحرب يتسق مع نموذج «الحلقات الخمس» للعقيد جون واردن، الذي طُبق في حرب الخليج الثانية.
وفي هذه الحالة، سيكون الهدف إكراهًا عسكريًا لتطويع الموقف الإيراني التفاوضي، إلى جانب الرغبة في تقويض القدرات العسكرية وتعطيل عمليات إعادة بناء القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، وإضعاف النظام لأقصى حد ممكن، لا سيما أن الحملة العسكرية ستتوازى مع حملة الإكراه الاقتصادي.
كيف سيكون الرد الإيراني؟
في المقابل، سترد إيران عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، مستهدفة إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج ومنشآت الطاقة، كما ستزيد عمليات استهداف السفن المارة بمضيق هرمز.
وإذا تطورت الأحداث، فقد تتدخل جماعة الحوثي وتغلق أو تستهدف الملاحة في مضيق باب المندب، فالواقع يثبت أن الجبهات تبقى مرتبطة بصور مختلفة.
وهنا مكمن الخطورة؛ إذ قد تتطور الأمور من السيناريو الأول سريعًا أو تدريجيًا إلى السيناريو الثاني، بينما تلعب أسعار النفط والضغوط على دول الخليج ومخزون الذخائر الدقيقة، إلى جانب إدراك واشنطن أن الضربات لن تغير الموقف، دورًا في الحيلولة دون الانزلاق نحو السيناريو التالي.
توقيت الضربة المحتملة
وفيما يتعلق بتوقيت الضربة، فإن عنصر الزمن يؤثر في اتخاذ قرار العمليات، لا سيما مع قرب الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية.
ولذلك، يرجح أن الضربة، إن نُفذت، فستكون تالية على الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، والأمريكية في 3 نوفمبر، ويُحتمل أن تكون في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، أي أن الموعد غالبًا في نهاية الأسبوع الثاني أو بحلول الأسبوع الثالث وصولًا إلى نهاية نوفمبر.
وبناءً على ذلك، فإن هذا السيناريو أرجح في الوقت الحالي، وقد يتغير نحو التهدئة حال حدوث اختراقات في المسار التفاوضي، أو نحو التصعيد إذا حدثت مفاجأة تؤدي إلى اشتباك مباشر أو قررت إيران شن ضربة استباقية، وهي الضربة التي أستبعدها بالنسبة لي.
السيناريو الثاني: حملة عسكرية كبرى وإضعاف النظام الإيراني
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استئناف العمليات الكبرى لمدة زمنية أطول وبوتيرة أعنف، مع بقاء الأهداف ذاتها، لكن بنطاق استهداف أوسع.
وفي هذا الإطار، تبرز احتمالية تنفيذ عمليات إبرار ضد الجزر الإيرانية، وفي مقدمتها جزيرة خرج، إلا أن هذه الاحتمالية تظل ضعيفة بسبب التعقيدات الكثيرة والحساسية المرتبطة بنشر قوات على الأرض.
ويتمثل الهدف الرئيسي لهذه الحملة في إضعاف النظام الإيراني لأقصى قدر ممكن، والإضرار الجسيم بقدراته العسكرية وقاعدته الصناعية العسكرية والمدنية، فضلًا عن منشآت استخراج الطاقة وتصديرها.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن انضمام الحوثي والفصائل الولائية العراقية سيكون أكثر تأكيدًا، كما سيتوسع استهداف الدول الخليجية، بما في ذلك منشآت الطاقة.
ولا يُستبعد كذلك أن تكون هناك بعض المحاولات لاختراق حدود دول خليجية أو تنفيذ عمليات لإيران أو وكلائها داخلها، وتأتي الكويت والبحرين ضمن الدول المرشحة لذلك، مع ترجيح الكويت نظرًا لقربها من العراق ومحاولة الفصائل الولائية العراقية اختراق الحدود الكويتية خلال الحرب الأخيرة.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو أقل ترجيحًا في ضوء المعطيات الحالية، وما زلت أستبعده لأسباب يطول شرحها، منها الكلفة العالية على جميع أطراف الصراع، وأن الجولة السابقة لم تؤد إلى تطويع الموقف الإيراني، بل إلى تشديده.
إضافة إلى ذلك، فإن الحسم العسكري غير ممكن في المواجهة الحالية، فللقوة حدودها، كما أن هذا السيناريو لا يتضمن استراتيجية خروج واضحة.
السيناريو الثالث: استمرار التوتر دون الوصول إلى مواجهة شاملة
وعلى الجانب الآخر، قد يبقى الوضع على ما هو عليه، أي استمرار حالة التوتر دون تجاوز عتبة التصعيد، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي المتعثر وحملة الإكراه الاقتصادي، والضغط على حلفاء إيران في لبنان والعراق، أما اليمن فهي محكومة بمعادلة مختلفة في الوقت الراهن.
وقد يستمر هذا الوضع حتى نضوج الصراع واقتناع طرفيه بأن كلفة الاستمرار في الأوضاع الحالية باهظة الثمن، وفي هذه الحالة، قد نشهد بعض التنازلات لإنجاح المسار التفاوضي.
وبناءً على هذه المعطيات، يأتي هذا السيناريو في المرتبة الثانية من حيث الترجيح بعد سيناريو الضربة العسكرية المحدودة.
السيناريو الرابع: اختراق تفاوضي وابتعاد شبح التصعيد
أما السيناريو الرابع، فيفترض نجاح الوسطاء، وفي مقدمتهم باكستان وقطر، في تحقيق اختراق يشمل إجراءات لبناء ثقة مؤقتة تتلوها صفقة لخفض التصعيد.
ويُفترض في هذا السياق أن يقبل أطراف الصراع بالمقترح القطري المعدل الذي وافقت عليه واشنطن وأبدت طهران سابقًا تجاوبًا بشأنه، ثم العودة إلى إطار مذكرة التفاهم أو العمل على إنشاء إطار تفاوضي جديد أو معدل.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، يبدأ الفتح التدريجي لمضيق هرمز من الجانب الإيراني، وكذلك فك الحصار الأمريكي البحري تدريجيًا، مع بدء تحويل جزء من الأموال الإيرانية المجمدة إلى طهران، بالتزامن مع التفاوض على الخطوات التالية وصولًا إلى صفقة مقبولة لأطراف الصراع.
ورغم أهمية هذا السيناريو في تجنب التصعيد، فإنه يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الترجيح، بعد السيناريو الأول والثالث على الترتيب.
أحمد سلطان: الحرب الإيرانية تفرض واقعًا جديدًا على العالم
وأكد أحمد سلطان أنه في ضباب الحرب لا يمكن الجزم بالمسارات، فالحرب كظاهرة إنسانية تتسم دائمًا بالمفاجأة وعدم اليقين، وبطبيعة الحال، تجعل هذه الخصائص الحسم بشأن مسارها أمرًا شديد التعقيد.
وأضاف أن المؤكد هو أن العالم بأسره يتغير بفعل هذه الحرب، وبفعل أسباب وعوامل أخرى ليس هذا مجالها، مشددًا على أن الصراع الإيراني لا يمكن أن يستمر بالوتيرة الحالية، فكلفته أعلى مما يتحمل الجميع، وللقصة بقية.
تحديث بشأن احتمالات الضربة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران
وفي تحديث أُضيف مساء الجمعة 23 أكتوبر 2026، أشار التقدير إلى عدد من التطورات، بما في ذلك إخلاء الدبلوماسيين الأمريكيين من بعض الدول الخليجية، ونقل طائرات التزود بالوقود الأمريكية من قواعد في الخليج إلى إسرائيل، مع تحليق لطائرات استطلاع وتزود بالوقود مع إطفاء أجهزة التعريف.
وتشير هذه التطورات، وفقًا للتقدير، إلى احتمالية أن تُشن الضربة ضد إيران خلال أيام، مع احتمال تقديم الموعد ليكون بين 27 أكتوبر و3 نوفمبر، وفي هذه الحالة ستُنفذ الضربة فور انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وقبل الانتخابات النصفية الأمريكية.
وفي المقابل، يبقى الموعد الأكثر منطقية، وفقًا لهذا التقدير، عقب انتهاء الانتخابات في البلدين ووصول الحاملة روزفلت إلى منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM، فيما يظل احتمال شن الحرب في موعد أقرب ضعيفًا، ومع ذلك، فإن الحرب لطالما علمتنا أن المنطق قد لا يكون موجودًا في كثير من الأحيان
.
واختتم أحمد سلطان تصريحاته بالتأكيد على أن احتمالية توجيه ضربة قبل موعد انتخابات التجديد النصفي المقرر لها 4 نوفمبر محتملة بنسبة 15٪ فقط، مضيفًا: «تقديري إنها لم تحدث».
