لم تعد صافرة الحكم الأخيرة في مشوار لاعب كرة القدم تعني بالضرورة نهاية علاقته بالمستطيل الأخضر، فبينما يختار البعض الابتعاد عن الأضواء بعد الاعتزال، يقرر آخرون خوض تجربة جديدة من داخل مكاتب الإدارة ومجالس إدارات الأندية والاتحادات الرياضية، مستندين إلى سنوات طويلة من الخبرة في الملاعب، ومعرفة تفاصيل اللعبة من الداخل، وعلاقاتهم الممتدة داخل الوسط الرياضي.

وتعيد ذكرى وفاة محمد حسن حلمي، الشهير بـ«حلمي زامورا»، التي تحل في الخامس من نوفمبر، فتح هذا الملف من جديد، باعتباره أحد أبرز النماذج التاريخية التي جمعت بين أكثر من دور في كرة القدم المصرية؛ فلم يكن مجرد لاعب ارتدى قميص الزمالك ومنتخب مصر، وإنما امتدت رحلته إلى التحكيم الدولي والعمل الإداري، حتى وصل إلى رئاسة القلعة البيضاء، ثم تولى مسؤوليات داخل الاتحاد المصري لكرة القدم.

وتكشف تجربة زامورا أن مسيرة بعض نجوم الرياضة قد تتجاوز حدود الإنجاز داخل الملعب، لتصل إلى المشاركة في إدارة المؤسسات الرياضية وتطويرها، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب توجه اللاعبين السابقين إلى العمل الإداري، ومدى قدرة الخبرة الكروية والشهرة الجماهيرية على صناعة مسؤول رياضي ناجح، في ظل التحولات التي تشهدها صناعة كرة القدم وارتفاع متطلبات إدارتها.

حلمي زامورا.. من لاعب في الزمالك إلى أحد أبرز رموز الإدارة الرياضية

في الخامس من نوفمبر عام 1986، رحل محمد حسن حلمي عن عالمنا، تاركًا وراءه مسيرة امتدت لعقود داخل الوسط الرياضي، بعدما استطاع الانتقال بين أدوار مختلفة دون أن تنقطع علاقته بكرة القدم. فقد بدأ مشواره لاعبًا في صفوف الزمالك، وشارك مع منتخب مصر في دورة الألعاب الأوليمبية ببرلين عام 1936، قبل أن يعتزل اللعب ويتجه إلى مجال التحكيم، ويحصل على الشارة الدولية عام 1957.

لكن المرحلة الأبرز في تجربته جاءت مع انتقاله إلى العمل الإداري، حيث بدأ عضواً في لجنة الكرة بنادي الزمالك عام 1948، ثم تولى منصب السكرتير العام، قبل أن يتدرج في المسؤوليات داخل النادي وصولًا إلى رئاسته عام 1967، ليصبح أول لاعب كرة قدم يتولى هذا المنصب في تاريخ القلعة البيضاء.

ولم تقتصر تجربته على إدارة الزمالك، إذ تولى رئاسة لجنتي المسابقات واللجنة الفنية بالاتحاد المصري لكرة القدم، كما تولى رئاسة الاتحاد بصورة مؤقتة في مايو 1978، وهو ما يعكس اتساع حضوره داخل المنظومة الرياضية المصرية، وانتقال خبراته من مستوى النادي إلى إدارة شؤون اللعبة على نطاق أوسع. 

وكانت تجربة زامورا مختلفة عن مجرد انتقال لاعب سابق إلى منصب إداري؛ إذ ارتبط اسمه بمراحل مهمة من تطور الزمالك ومنشآته، وظل حاضرًا في تاريخ النادي باعتباره شخصية عاصرت تفاصيله لاعبًا ومسؤولًا، وهو ما منح تجربته قيمة خاصة لدى جماهير القلعة البيضاء.

وتبرز أهمية هذه التجربة في أنها تقدم نموذجًا مبكرًا للاعب الذي لم يعتبر الاعتزال نهاية لدوره الرياضي، بل بداية لمرحلة جديدة من العمل، انتقل خلالها من المنافسة داخل الملعب إلى تحمل مسؤولية إدارة النادي والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبله.

لماذا يختار نجوم الكرة العمل الإداري بعد الاعتزال؟

تتعدد الأسباب التي تدفع لاعبي كرة القدم السابقين إلى الاتجاه نحو الإدارة الرياضية، ويأتي في مقدمتها ارتباطهم باللعبة ورغبتهم في البقاء داخل المجال الذي قضوا سنوات طويلة من حياتهم في ممارسته، فبالنسبة إلى كثير منهم لا يمثل الاعتزال نهاية الطموح الرياضي، وإنما فرصة للانتقال إلى موقع مختلف يمكنهم من خلاله التأثير في مستقبل الأندية والفرق واللاعبين.

ويمتلك اللاعب السابق ميزة مهمة تتمثل في معرفته المباشرة بتفاصيل الحياة الرياضية، فهو يدرك طبيعة الضغوط التي يتعرض لها اللاعبون، واحتياجات غرف الملابس، وطبيعة العلاقة بين الجهاز الفني والإدارة، فضلًا عن إدراكه لأهمية الاستقرار النفسي والبدني للاعب، وهي تفاصيل قد لا تتوافر بالدرجة نفسها لدى من لم يخض تجربة الاحتراف أو المنافسة الرياضية.

كما تمثل العلاقات التي يكتسبها اللاعب خلال مسيرته عاملًا مساعدًا في انتقاله إلى العمل الإداري، إذ تتسع شبكة معارفه لتشمل لاعبين ومدربين ومسؤولين رياضيين، وهو ما قد يسهل عليه التواصل مع مختلف أطراف المنظومة، وفهم طبيعة المشكلات التي تواجهها الأندية.

وتلعب الشعبية الجماهيرية دورًا آخر في هذا الاتجاه، فنجوم الكرة الذين يمتلكون تاريخًا رياضيًا وجماهيرية واسعة غالبًا ما يحظون بثقة قطاع من المشجعين، وقد تساعدهم هذه المكانة على خوض الانتخابات الرياضية أو تولي مواقع المسؤولية، خاصة عندما ترتبط أسماؤهم بإنجازات أو مواقف تركت أثرًا في ذاكرة الجماهير.

لكن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تعني أن النجاح داخل الملعب يضمن النجاح في الإدارة؛ فإدارة نادٍ رياضي لم تعد تقتصر على متابعة نتائج الفريق أو اختيار اللاعبين والمدربين، وإنما أصبحت عملية مؤسسية معقدة تتداخل فيها الجوانب المالية والقانونية والتسويقية والاستثمارية، إلى جانب إدارة المنشآت والموارد البشرية والتعامل مع الجماهير والرعاة ووسائل الإعلام.

من محمود الخطيب إلى حازم إمام.. نماذج تؤكد استمرار حضور نجوم الكرة في الإدارة

لم تتوقف تجربة انتقال نجوم الكرة المصرية إلى العمل الإداري عند حلمي زامورا، بل شهدت السنوات التالية ظهور أسماء أخرى انتقلت من الملاعب إلى مواقع المسؤولية داخل الأندية والاتحادات، من بينها محمود الخطيب، نجم الأهلي ومنتخب مصر السابق، الذي تولى رئاسة النادي الأهلي عام 2017، واستمر اسمه مرتبطًا بإدارة القلعة الحمراء وفق السجل الرسمي لرؤساء النادي.

وتقدم تجربة الخطيب نموذجًا لانتقال أحد أبرز نجوم الكرة المصرية إلى موقع القيادة داخل نادٍ جماهيري كبير، إذ لم يعد دوره مرتبطًا بذكرياته كلاعب أو بما حققه من إنجازات رياضية، وإنما أصبح مرتبطًا بمسؤوليات إدارة مؤسسة رياضية لها فرق وأنشطة وملفات مالية وتنظيمية متعددة. 

كما يمثل حازم إمام نموذجًا آخر للاعب السابق الذي اتجه إلى العمل المؤسسي، بعدما خاض تجربة عضوية مجلس إدارة نادي الزمالك، ثم انضم إلى مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم عقب انتخابات عام 2016، وأعيد انتخابه في يناير 2022، وفقًا للسيرة المنشورة على الموقع الرسمي للاتحاد.

وتوضح هذه النماذج أن العمل الإداري أصبح أحد المسارات التي يلجأ إليها بعض نجوم الكرة بعد انتهاء مشوارهم داخل الملعب، سواء من خلال مجالس إدارات الأندية أو الاتحادات الرياضية، أو عبر مواقع المسؤولية الفنية والتنظيمية، بما يسمح لهم بالاستفادة من خبراتهم السابقة في مواقع جديدة داخل المنظومة.

ومع ذلك، فإن اختلاف طبيعة كل منصب يفرض على اللاعب السابق اكتساب مهارات جديدة، فعضوية مجلس الإدارة تتطلب فهم اللوائح وآليات اتخاذ القرار، بينما تحتاج المناصب التنفيذية إلى القدرة على التخطيط وإدارة الميزانيات والتفاوض والتعامل مع الأزمات، وهي جوانب لا تكتسب بالضرورة من ممارسة كرة القدم وحدها.

النجومية وحدها لا تكفي.. الإدارة الرياضية تحتاج إلى خبرة وتخصص

مع التحول المتزايد لكرة القدم إلى صناعة اقتصادية واسعة، لم تعد إدارة الأندية تعتمد فقط على الانتماء الرياضي أو الشعبية الجماهيرية، وإنما أصبحت بحاجة إلى رؤية متكاملة تجمع بين الخبرة الفنية والمعرفة الإدارية والقدرة على إدارة الموارد وتحقيق الاستدامة المالية.

فالأندية اليوم تواجه ملفات تتجاوز المنافسة على البطولات، من بينها عقود اللاعبين، وحقوق الرعاية والبث، والتسويق الرياضي، والاستثمار في الناشئين، وتطوير المنشآت، وإدارة الالتزامات المالية، إلى جانب الالتزام باللوائح المنظمة للمسابقات والانتقالات.

ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين نجوم الكرة السابقين والمتخصصين في الإدارة والاقتصاد والقانون والتسويق، بحيث يستفيد النادي من خبرة اللاعب وفهمه لطبيعة اللعبة، دون إغفال الحاجة إلى الكفاءات القادرة على إدارة الملفات الفنية والمالية والتنظيمية وفق أسس احترافية.

كما أن وجود لاعب سابق داخل مجلس الإدارة قد يسهم في تقريب وجهات النظر بين المسؤولين والفرق الرياضية، ونقل احتياجات اللاعبين بصورة أكثر دقة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الالتزام بالعمل المؤسسي والفصل بين العاطفة والانتماء من جهة، ومتطلبات اتخاذ القرار من جهة أخرى.

وتظل التحديات الحقيقية أمام أي نجم يتجه إلى الإدارة مرتبطة بقدرته على التحول من عقلية المنافسة الفردية والجماعية داخل الملعب إلى عقلية العمل المؤسسي، التي تتطلب الاستماع إلى الآراء المختلفة، وتوزيع المسؤوليات، ومحاسبة الأداء، واتخاذ قرارات قد لا تحظى دائمًا بالقبول الجماهيري.

من إرث زامورا إلى مستقبل الإدارة الرياضية

تكشف مسيرة حلمي زامورا أن علاقة اللاعب بكرة القدم لا تنتهي بالاعتزال، وأن الخبرة التي يكتسبها داخل الملاعب يمكن أن تتحول إلى رصيد مهم في خدمة المؤسسات الرياضية، شريطة أن تقترن بالقدرة على التعلم واكتساب أدوات الإدارة وتحمل المسؤولية.

وبينما تستعيد جماهير الزمالك والكرة المصرية اسمه في ذكرى رحيله، تظل تجربته واحدة من المحطات التي تستحق التوقف أمامها عند الحديث عن انتقال نجوم الرياضة إلى مواقع القيادة، خاصة أنه جمع بين اللعب والتحكيم والإدارة ورئاسة النادي والاتحاد، في مسيرة امتدت إلى ما هو أبعد من حدود المستطيل الأخضر.

وفي النهاية، لا تتعلق القضية بمجرد رغبة النجوم في البقاء تحت الأضواء بعد الاعتزال، وإنما بمدى قدرة الرياضة المصرية على الاستفادة من خبرات لاعبيها السابقين، وتحويل تاريخهم داخل الملاعب إلى قيمة مضافة في الإدارة والتطوير. فالنجومية قد تفتح الباب أمام المسؤولية، لكن النجاح في إدارتها يحتاج إلى معرفة وتخصص ورؤية واضحة، حتى لا تتحول الشعبية إلى بديل عن الكفاءة، أو يصبح التاريخ الرياضي وحده معيارًا لاختيار القيادات.

وبينما كان حلمي زامورا أحد النماذج التاريخية لهذا الانتقال، يبقى السؤال الأهم أمام الأندية المصرية: كيف يمكن الاستفادة من خبرات نجوم الكرة السابقين، وإعداد جيل من القيادات الرياضية القادرة على الجمع بين فهم اللعبة وإدارة مؤسساتها بعقلية احترافية؟