عودة الحضور المصري إلى العاصمة الليبية تفتح مرحلة جديدة من التواصل مع حكومة الدبيبة.. والحدود البحرية وإعادة الإعمار وأوضاع العمالة المصرية تختبر نتائج التقارب
بعد 12 عاماً من الغياب الدبلوماسي، تعود مصر إلى العاصمة الليبية طرابلس من بوابة سفارتها التي أعاد وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الدكتور بدر عبد العاطي، افتتاح مقرها التاريخي، في خطوة تتجاوز دلالتها البروتوكولية إلى اختبار أوسع لقدرة القاهرة على توسيع حضورها في المشهد الليبي، وإدارة شبكة معقدة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية في دولة لا تزال تعاني انقساماً مؤسسياً وتنافساً بين مراكز القوى.
وتكتسب الخطوة أهميتها من توقيتها، في ظل استمرار الانقسام السياسي الليبي بين سلطات ومؤسسات في الشرق وأخرى في الغرب، فضلاً عن تشابك الملفات الإقليمية المرتبطة بشرق المتوسط، واتفاقات ترسيم الحدود البحرية، والتنافس على مشروعات الطاقة وإعادة الإعمار.
عودة إلى طرابلس.. أكثر من مجرد افتتاح سفارة
إعادة افتتاح السفارة المصرية في طرابلس، بعد إغلاقها منذ عام 2014 على خلفية تدهور الأوضاع الأمنية، تمثل استئنافاً لقناة دبلوماسية مباشرة مع السلطات الموجودة في غرب ليبيا، وتمنح القاهرة مساحة أوسع للتواصل السياسي والقنصلي ومتابعة مصالحها ومصالح مواطنيها على الأرض.
وخلال زيارته إلى طرابلس، التقى وزير الخارجية المصري رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وبحث الجانبان سبل تطوير العلاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والثقافية، إلى جانب تعزيز التعاون في مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية.
وتعكس هذه التحركات توجهاً نحو توسيع دوائر التواصل المصري داخل ليبيا، بما يتيح للقاهرة متابعة الملفات المشتركة بصورة مباشرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن علاقاتها مع الأطراف الموجودة في شرق البلاد.
فالتحدي الحقيقي أمام السياسة المصرية لا يتمثل في استعادة الوجود الدبلوماسي وحده، وإنما في القدرة على بناء علاقات متوازنة مع الأطراف الليبية المختلفة، بما يحافظ على وحدة الدولة الليبية ويحول دون تحول الانقسام الداخلي إلى مصدر تهديد دائم للمصالح المصرية.
شرق المتوسط.. الاختبار الأكثر حساسية للعلاقات الجديدة
يبرز ملف الحدود البحرية في شرق المتوسط باعتباره أحد أهم الملفات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة في العلاقات المصرية الليبية.
فخلال لقاءاته مع الجانب المصري، تحدث رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن التوصل إلى تفاهمات مع القاهرة بشأن تفاصيل ترسيم الحدود البحرية، مؤكداً أن الجانب الليبي لا يسعى إلى الإضرار بالمصالح المصرية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق حساس، بعد تصديق البرلمان الليبي في الشرق على اتفاق بحري مع تركيا، وهو ما أثار اعتراضات مصرية تتعلق بالمصالح والحقوق البحرية المصرية.
ومن هنا، تكتسب عودة التواصل المباشر بين القاهرة وطرابلس أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تفتح المجال أمام معالجة الملفات البحرية عبر التفاوض السياسي والقانوني، بدلاً من تركها ساحة للتجاذبات الإقليمية.
ويظل السؤال المطروح: هل تنجح القاهرة وطرابلس في صياغة تفاهمات واضحة تحمي المصالح البحرية للطرفين، وتراعي قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في ظل تداخل المصالح التركية واليونانية والقبرصية والمصرية في المنطقة؟
إعادة الإعمار.. المصالح الاقتصادية في قلب التقارب
لا تنفصل عودة السفارة المصرية عن المصالح الاقتصادية الكبيرة التي تربط البلدين، وفي مقدمتها ملف إعادة إعمار ليبيا، الذي يمثل فرصة أمام الشركات المصرية العاملة في قطاعات المقاولات والبنية التحتية والطاقة والخدمات.
وتناول لقاء وزير الخارجية المصري مع الدبيبة سبل زيادة حجم التبادل التجاري والتعاون الاستثماري، وإزالة العقبات أمام حركة التجارة، والاستفادة من الخبرات المصرية في مشروعات البناء والتشييد وإعادة الإعمار.
كما برز ملف العمالة المصرية باعتباره أحد الملفات المباشرة التي تمس ملايين المصالح والروابط الاجتماعية بين البلدين، حيث ناقش الجانب المصري تسهيل أوضاع الجالية، بما يشمل تمديد المهل المقررة وإلغاء الغرامات المتراكمة عن فترات سابقة، وتقديم تسهيلات للطلاب المصريين في ليبيا.
وتطرح هذه الملفات سؤالاً اقتصادياً مهماً: هل تتحول عودة السفارة إلى آلية عملية لتسهيل دخول الشركات المصرية إلى السوق الليبية، وضمان حقوق العمالة، وزيادة حجم الاستثمارات والتبادل التجاري؟
فنجاح التقارب لن يقاس بعدد اللقاءات والبيانات المشتركة، بقدر ما سيقاس بما ينتج عنها من عقود ومشروعات وتسهيلات ملموسة.
الأمن ووحدة ليبيا.. حسابات لا يمكن فصلها عن القاهرة
تظل ليبيا بالنسبة إلى مصر ملفاً يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي، بحكم الجوار الجغرافي وطول الحدود المشتركة، وما تفرضه حالة عدم الاستقرار من تحديات تتعلق بالتهريب والجريمة المنظمة وتحركات الجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع الحضور الدبلوماسي المصري في طرابلس يمكن أن يوفر قناة إضافية لمتابعة التطورات والتواصل مع المؤسسات الموجودة في غرب البلاد، إلى جانب قنوات التواصل مع الأطراف الأخرى.
لكن استقرار ليبيا يظل مرتبطاً بمعالجة جذور الانقسام السياسي والمؤسسي، والتوصل إلى تسوية تضمن وجود مؤسسات موحدة وقادرة على إدارة الدولة ومواردها.
وبالتالي، فإن المصلحة المصرية لا تتوقف عند تحسين العلاقات مع طرف ليبي بعينه، وإنما ترتبط بوجود دولة ليبية مستقرة وموحدة، قادرة على ضبط حدودها وحماية مواردها ومنع تحول أراضيها إلى ساحة للصراعات الإقليمية.
اختبار النتائج.. ماذا بعد عودة السفارة؟
تضع عودة السفارة المصرية في طرابلس العلاقات بين البلدين أمام مرحلة جديدة من الاختبار العملي، تتجاوز الرمزية السياسية إلى ضرورة ترجمة التقارب إلى نتائج قابلة للقياس.
وتبقى الملفات الأكثر إلحاحاً أمام القاهرة وطرابلس مرتبطة بتحديد مسار واضح للتفاهم بشأن الحدود البحرية، وتسهيل عمل الشركات المصرية، وتحسين أوضاع العمالة والجالية، وتعزيز التنسيق الأمني، ودعم مسار سياسي ينهي حالة الانقسام الليبي.
وبين الاعتبارات الأمنية والحسابات الاقتصادية والتوازنات الإقليمية، تبدو عودة مصر إلى طرابلس فرصة لاستعادة مساحة من الحضور والتأثير، لكن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل الخطوة الدبلوماسية إلى تفاهمات واتفاقات ومصالح مشتركة مستدامة.
فالسؤال لم يعد فقط لماذا عادت السفارة المصرية إلى طرابلس بعد 12 عاماً، بل ماذا تستطيع هذه العودة أن تحقق لمصر وليبيا في مرحلة تتشابك فيها حسابات الأمن والسياسة والاقتصاد؟
