حصون الشرق يكشف عن قلعة عسكرية غير مسبوقة بتل الخروبة

في إنجاز أثري جديد يُعيد كتابة فصول من التاريخ العسكري لمصر القديمة، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن كشف ضخم في شمال سيناء. فقد نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع تل الخروبة الأثري في منطقة الشيخ زويد بالكشف عن قلعة عسكرية ضخمة تعود إلى عصر الدولة الحديثة، لتُصبح واحدة من أكبر وأهم القلاع المكتشفة على الإطلاق على مسار طريق حورس الحربي الاستراتيجي.

إضافة نوعية لمنظومة الدفاع المصرية

يُشكل هذا الكشف الأثري، الذي يقع بالقرب من ساحل البحر المتوسط، إضافة نوعية تؤكد عبقرية التخطيط العسكري لملوك الدولة الحديثة. فقد شيد هؤلاء الملوك سلسلة متكاملة من القلاع والتحصينات الدفاعية لحماية الحدود الشرقية لمصر وتأمين أهم الطرق التي ربطت مصر القديمة بفلسطين.

وفي هذا السياق، أكد السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف يُمثل تجسيدًا ملموسًا لعبقرية المصري القديم في بناء منظومة دفاعية متكاملة، "ويروي فصولًا جديدة من تاريخنا العسكري العريق، ويعزز من مكانة سيناء كأرض تحمل شواهد حضارية فريدة على مر العصور."

تفاصيل القلعة: ثلاثة أضعاف سابقتها وتصميم معماري متفرد

تُقدَّر مساحة هذه القلعة الجديدة بنحو 8000 متر مربع، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة القلعة التي اكتُشفت في الموقع ذاته خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وأوضح الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف عن هذه القلعة يعد "خطوة مهمة في إعادة بناء الصورة الكاملة لشبكة التحصينات المصرية على الحدود الشرقية خلال الدولة الحديثة"، مؤكدًا أن كل قلعة مكتشفة "تضيف لبنة جديدة لفهمنا للتنظيم العسكري والدفاعي لمصر الفرعونية، وتؤكد أن الحضارة المصرية لم تقتصر على المعابد والمقابر فقط، بل كانت دولة مؤسسات قوية قادرة على حماية أرضها وحدودها."

أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن:

* جزء من السور الجنوبي للقلعة بطول نحو 105 أمتار وعرض 2.5 متر، يتوسطه مدخل فرعي.

* أحد عشر برجًا دفاعيًا تم الكشف عنها حتى الآن، بالإضافة إلى البرج الشمالي الغربي وجزء من السورين الشمالي والغربي.

* سور زجزاجي بطول 75 مترًا في الجانب الغربي، وهو تصميم معماري مميز يعكس قدرة المعماري المصري على التكيف مع البيئة القاسية، ويقسم القلعة من الشمال إلى الجنوب ليحيط بمنطقة سكنية خُصصت للجنود.

وأشار الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، إلى أن التحديات الكبيرة التي واجهت البعثة تمثلت في الكثبان الرملية المتحركة التي غطّت أجزاء واسعة من الموقع.

شواهد الحياة اليومية: من ودائع الأساس إلى عجين الخبز المتحجر!

لم يقتصر الكشف على العمارة الدفاعية فحسب، بل شمل أيضاً شواهد هامة للحياة اليومية للجنود داخل القلعة، حيث تم العثور على:

* كسرات وأوانٍ فخارية متنوعة.

* ودائع أساس أسفل أحد الأبراج ترجع إلى النصف الأول من عصر الأسرة الثامنة عشرة.

* **يد إناء مختومة باسم الملك تحتمس الأول، مما يحدد عمر القلعة.

* كميات من أحجار بركانية يُرجح أنها نُقلت عبر البحر من براكين جزر اليونان.

* فرن كبير لإعداد الخبز وبجواره كميات من العجين المتحجر، ما يؤكد أن القلعة كانت مركزًا متكاملًا للحياة اليومية للجنود.

مستقبل الكشف: هل يتم العثور على الميناء العسكري المفقود؟

أوضح الدكتور هشام حسين، مدير عام الإدارة العامة لآثار سيناء، أن الدراسات الأولية أثبتت أن القلعة شهدت عدة مراحل من الترميم والتعديل عبر العصور. وتأمل البعثة في استكمال أعمال الحفائر للكشف عن بقية الأسوار والمنشآت المرتبطة بها، مع ترقب للكشف عن الميناء العسكري الذي كان يخدم القلعة في المنطقة القريبة من الساحل، ليضيف رابطاً بحرياً لهذه المنظومة الدفاعية البرية.

وتأتي هذه القلعة لتنضم إلى سلسلة هامة من القلاع العسكرية المكتشفة على طريق حورس الحربي، مثل تل حبوة، وتل البرج، والتل الأبيض، وجميعها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، لتؤكد سيناء كنزًا لا ينضب من الآثار العسكرية والحضارية.