لا يمكن قراءة تاريخ نادي الاتحاد السكندري، "زعيم الثغر"، بمعزل عن التاريخ السياسي والوطني لمصر في مطلع القرن العشرين، فتأسيس هذا النادي العريق لم يكن مجرد خطوة لإنشاء كيان رياضي، بل كان عملًا مقاومًا يهدف إلى مجابهة الوجود الأجنبي والهيمنة الثقافية والرياضية التي كانت سائدة في الإسكندرية، عاصمة مصر الثانية آنذاك. ولهذا، اكتسب النادي لقب "نادي الوطنية" عن جدارة.
تعود جذور تأسيس الاتحاد السكندري إلى عام 1914 (وبعض الروايات تشير إلى اندماج أندية سبقت ذلك التاريخ تعود لعام 1906)، حيث نشأ النادي ليكون أول نادٍ رياضي وطني للمصريين فقط في الإسكندرية.. ففي تلك الفترة، كانت الساحة الرياضية بالمدينة يسيطر عليها أندية الجاليات الأجنبية والمحتل البريطاني.
كان المؤسسون، وعلى رأسهم حسن رسمي، يهدفون إلى بناء منبر اجتماعي ورياضي يعزز الهوية المصرية ويقاوم محاولات طمسها، لم يكن غريبًا أن يُطلق على أحد الأندية المندمجة في الاتحاد أسم "الاتحاد الوطني"، تيمناً بـ "الحزب الوطني" الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل.. كان الاتحاد بذلك تجسيدًا للفكر السياسي الوطني في صورة مؤسسة رياضية.
لم يتوقف دور السياسة عند التأسيس، بل ظل حاضرًا بقوة في قيادات النادي، فقد تولى رئاسة النادي شخصيات ذات ثقل سياسي ووطني كبير، منهم فهمي بك ويصا أحد أبرز مؤسسي حزب الوفد وتلامذة الزعيم سعد زغلول، والذي ترأس النادي لسنوات طويلة في فترة الأربعينات.
ومحمود فهمي النقراشي باشا رئيس وزراء مصر لاحقًا، الذي ساعد رجال السياسة السكندريون بقيادته النادي في الحصول على أرض "الشاطبي" التي أصبحت مقرًا للنادي وملعبه التاريخي في عام 1929، مما يوضح مدى تداخل القرار السياسي في دعم الكيان الوطني الرياضي.
كما يُسجل للاتحاد السكندري أنه النادي المصري الوحيد الذي لم يتول رئاسته رئيس غير مصري، وهي حقيقة عززت من لقبه كـ "نادي الوطنية".
الارتباط بين الاتحاد السكندري والشأن العام تجاوز الحدود المعتادة ليصل إلى الفن والثقافة، ففي ستينات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1960، واجه النادي أزمة مالية خانقة كادت أن تؤدي إلى إفلاسه، وهنا، تدخلت كوكب الشرق أم كلثوم وغنت حفلًا لصالح النادي، لتدعم بذلك مؤسسة وطنية وثقافية واجتماعية عانت من مصاعب اقتصادية، هذه اللفتة من أيقونة الفن العربي لم تكن مجرد دعم رياضي، بل تأكيد على مكانة النادي كجزء أصيل من النسيج الوطني المصري.
إن نادي الاتحاد السكندري، بسجل بطولاته في كرة القدم والسلة والألعاب الأخرى، يمثل أكثر من مجرد فريق رياضي، إنه رمز للنضال الوطني في مدينة الإسكندرية، ووثيقة تاريخية حية تؤكد أن الرياضة في مصر لم تكن دائماً بمعزل عن صراع الهوية والسيادة، وأن لقب "سيد البلد" لم يأت من فراغ، بل من عمق انغماسه في تاريخ الوطن وتضحياته.
