في قلب مدينة بنغازي، لا يُعدّ النادي الأهلي مجرد مؤسسة رياضية وحسب، بل هو رمزٌ ثقافي واجتماعي وسياسي متجذر في الذاكرة الليبية، حاملًا لقب "نادي الوطن" و"المشوار الطويل".. فعلى الرغم من هويته الرياضية البحتة، فإن تاريخ "الجزار" وعلاقته بالحياة السياسية في ليبيا يمثل قصة فريدة من نوعها، حيث كانت المدرجات في كثير من الأحيان منبرًا للتعبير عن قضايا أعمق من مجرد الفوز والخسارة.
تعود البدايات الفعلية للنادي الأهلي بنغازي، الذي تأسس عام 1947، إلى كيان وطني وسياسي مؤثر هو "جمعية عمر المختار" في أواخر الأربعينيات.. هذه الجمعية كانت تنشط في المجال الوطني والثقافي، وعندما انفصلت عنها الأقسام الرياضية لتؤسس النادي الأهلي، حمل النادي معه روح الوطنية والتحدي.. هذا الارتباط المبكر بكيان سياسي ووطني منح النادي منذ نشأته بعدًا أوسع من كونه مجرد فريق كرة قدم، فصار يمثل جزءًا من الهوية الشرقية الليبية ومدينة بنغازي.
لعل أبرز فصول العلاقة بين الأهلي بنغازي والسياسة يظهر جليًا في حقبة نظام القذافي.. لم يكن النادي ولا جماهيره في مأمن من التجاذبات السياسية، بل كان في صميمها، ففي صيف عام 2000، شهدت مدينة بنغازي ثورة عفوية ضد النظام، وكانت إهانة تعرض لها فريق المدينة لكرة القدم، واحدة من الشرارات التي أطلقت تلك الاحتجاجات، تحوّلت المباريات، خاصة تلك التي كانت تجمعه بالغريم التقليدي "الأهلي طرابلس" المدعوم من النظام، إلى معارك رمزية، حيث كانت جماهير بنغازي تستخدم المدرجات كمتنفس للتعبير عن السخط والاحتقان السياسي والمناطقي ضد مركز السلطة، لقد كان الملعب هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه رفع الصوت دون خوف مباشر.
كما عانى النادي من تصرفات وقرارات اعتبرها كثيرون "عقوبات سياسية" خلال تلك الفترة، مما زاد من تعميق صورته كـ "عدو الشعب" أو بالأحرى، رمزٌ للمدينة المتمردة على السلطة المركزية.
استمر هذا الدور الرمزي حتى اندلاع ثورة فبراير عام 2011، حيث برز الأهلي بنغازي ومحيطه الجماهيري كجزء أصيل من الحراك الثوري، أصبحت مدرجاته وشعاراته، لا سيما في مدينة بنغازي التي كانت مهد الثورة، جزءًا من السردية الوطنية للتحرر، وشارك العديد من رموز النادي وجماهيره في الأحداث التي سبقت وتلت سقوط النظام.
على الرغم من التغيرات التي طرأت على المشهد السياسي الليبي، ظل النادي الأهلي بنغازي محتفظًا ببعده السياسي، في ظل الانقسام الحاد الذي تعيشه البلاد حاليًا، لا تخلو العلاقة بين الأهلي وأي سلطة مركزية أو طرف سياسي من التوتر والجدل.. أي قرار تحكيمي أو إداري، خصوصًا في لقاءات القمة، يمكن أن يتحول إلى قضية رأي عام تحمل أبعاداً تتجاوز الرياضة، وتلامس الحساسيات المناطقية والسياسية بين الشرق والغرب، وهو ما ظهر في العديد من الأزمات الرياضية الأخيرة.
يظل الأهلي بنغازي حالة فريدة في الرياضة العربية، ليس لبطولاته الكروية وحسب، بل لكونه مرآة عاكسة للتحولات السياسية والاجتماعية في ليبيا، إنه نادٍ ولد من رحم حركة وطنية، وتحول بفعل الظروف إلى جبهة رمزية للمقاومة الشعبية والاحتجاج.
