بكل فخر واعتزاز، نهنئ الشعب المصري والعالم على الافتتاح التاريخي للمتحف المصري الكبير؛ هذا الصرح الذي يليق بعظمة مصر وتاريخها الممتد عبر آلاف السنين، ويقف شامخًا عند أقدام الأهرامات كأكبر متحف أثري في العالم.
وفي هذه اللحظة المهيبة من عمر الوطن، نستعيد كلمات الوطني العظيم مكرم عبيد باشا:

“مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا.
كلمات تختصر جوهر الانتماء الأصيل، وتجسّد العلاقة الفريدة بين المصري وتاريخه، بين الأرض والإنسان، بين الحضارة والهوية.

أرقام تشهد على عظمة مصر

يضم المتحف المصري الكبير أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تغطي مختلف عصور الحضارة المصرية، من ما قبل التاريخ حتى العصرين اليوناني والروماني، وبينها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون التي تُعرض لأول مرة في مكان واحد.
ويُتوقع أن يستقبل المتحف أكثر من 5 ملايين زائر سنويًا، ليصبح أحد أهم مقاصد السياحة الثقافية في العالم.

ولا يخفى أن مصر تمتلك ما يقارب ثلث آثار العالم، وأكثر من 7,000 موقع أثري وتاريخي مسجل رسميًا، إلى جانب كنوز أثرية لا تزال تنتظر الكشف.
إنها بحق، كما قال هيرودوت:

“مصر هبة النيل”،
ونحن نضيف اليوم: إنها هبة التاريخ والإنسانية.

 

الثقافة والوعي… الاستثمار الذي يحمي الاستثمار

إن افتتاح المتحف المصري الكبير بهذا الحجم العالمي يجب أن يكون نقطة انطلاق لخطة قومية متكاملة تهدف إلى تعميق ثقافة الوعي السياحي ونشر قيم التعامل الحضاري مع الزائرين.
فالسائح لا يأتي فقط ليرى الآثار، بل ليعيش تجربة حضارية متكاملة تبدأ من المطار والشارع والفندق، وتمر بسلوك المواطن واحترامه للنظام والقانون.

الاستثمار الحقيقي في السياحة لا يُقاس فقط بما يُبنى من منشآت، بل بما يُغرس في النفوس من وعي.
لذلك فإن الاستثمار في الثقافة والتعليم هو الضمان الحقيقي للحفاظ على كل ما أُنفق في البنية السياحية، لأن الحضارة لا تُصان بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تفهم قيمتها والقلوب التي تحبها.

 

السياحة سلوكٌ قبل أن تكون طريقًا

البنية التحتية للسياحة لا تعني الطرق والفنادق والمطارات فحسب، بل تشمل الانضباط، والالتزام، وثقافة احترام القانون.
فتطبيق قواعد المرور وضمان سلامة الطرق وتسهيل حركة الزائرين هي تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع الانطباع الأول الذي يبقى في ذاكرة كل من يزور مصر.
إن صورة السائح الذي يجد نظامًا في المرور، وابتسامة في الخدمة، وأمانًا في الطريق، لا تقل أهمية عن عظمة الأهرامات أو سحر المعابد.
فالحضارة التي شيدت المعابد العظيمة، قادرة أن تبني سلوكًا حضاريًا يليق بتاريخها. 

مصر تنهض من جديد بحضارتها وإنسانها

المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى يضم آثارًا، بل رمز لوطنٍ يعرف قدر تاريخه ويصون ذاكرته ويؤمن بأن المستقبل يُبنى على جذورٍ عميقة من الوعي والإبداع.
تحية لكل يدٍ مصرية ساهمت في هذا الصرح، ولكل عقلٍ رأى في الحضارة المصرية رسالة إنسانية خالدة.

مصر لا تُبهر العالم بما كان فقط، بل بما سيكون.
فكما صُنعت الحضارة على أيدي المصري القديم، فإن مستقبلها اليوم يُصنع بعقول وسواعد أبنائها.
هكذا تنهض مصر من جديد… بحضارتها وإنسانها.