في لحظة سياسية شديدة الحساسية، بدا واضحًا أن رئيس الجمهورية يتعامل مع العملية الانتخابية باعتبارها مسارًا لا يحتمل التشكيك أو الغموض، البيان الذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ما رُصد من ملابسات في بعض دوائر المرحلة الأولى من الانتخابات لم يكن مجرد تعليق بروتوكولي، بل تحول إلى موقف سياسي ورسالة واضحة بأن الدولة تتابع كل صغيرة وكبيرة في هذا الملف منذ بداية ولايته.

قدم الرئيس نفسه باعتباره المسؤول الذي لا يتردد في الدخول إلى التفاصيل حين تتعلق بثقة المواطنين أو استقرار المؤسسات، ومع تصاعد حديث الشارع سواء عبر وسائل التواصل أو من خلال طعون المرشحين حول وجود شبهات في بعض الدوائر، جاء البيان الرئاسي ليؤكد أن صوت الناس يصل، وأن الدولة لا تغض الطرف عن أي اتهام يمكن أن يمس نزاهة الانتخابات.

اللافت في البيان أنه لم يكتفِ بالتذكير باختصاصات الهيئة الوطنية للانتخابات، بل حملها مسؤولية "التدقيق التام" في كل واقعة وطعن، وفتح أمامها الباب لاتخاذ قرارات كبيرة مثل إلغاء نتائج دوائر أو حتى مرحلة انتخابية كاملة إذا تعذر تحديد إرادة الناخبين, هذا التفويض العلني يضع الهيئة في قلب المشهد، لكنه يعكس في الوقت نفسه حجم الدور الرئاسي في رسم الاتجاه العام والتحكيم عند الأزمات.

كما شدد الرئيس على واحدة من أخطر نقاط الجدل الانتخابي:

محاضر الحصر، إذ دعا الهيئة إلى ضمان حصول كل مندوب على نسخة رسمية، في خطوة تستهدف سد أي فجوات يمكن أن تُستخدم لتشكيك المرشحين في النتيجة، هنا يظهر بوضوح توجه رئاسي يقوم على تفكيك أسباب الخلاف من جذورها وليس مجرد تهدئة اللحظة.

وبينما تتسارع ردود الأفعال في الشارع السياسي، يبدو أن الاستجابة الرئاسية جاءت لتعيد ضبط إيقاع العملية الانتخابية، فهي تحمل رسالة مزدوجة؛ من جهة، طمأنة المواطنين بأن شكاواهم تُسمع ويُتعامل معها بجدية، ومن جهة أخرى، تأكيد أن مؤسسات الدولة مطالبة بالالتزام الصارم بالمعايير القانونية والإجرائية دون استثناء.

ومهما كانت القرارات التي ستتخذها الهيئة الوطنية للانتخابات خلال الأيام المقبلة، فإن البيان الرئاسي سيظل علامة فارقة في هذه الجولة، لأنه أعاد التأكيد على أن نزاهة المسار السياسي ليست تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من صورة الدولة ومن علاقتها مع المواطنين.