في مدينة الإسكندرية الساحلية، معقل الحضارات وميدان الصراع، لم تكن الرياضة مجرد لهو أو منافسة بريئة، بل كانت ساحة أخرى للوطنية المصرية النابضة في وجه الاحتلال الأجنبي، وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، وُلد نادي الاتحاد السكندري، الذي لم يكن مجرد نادٍ رياضي، بل تحوّل إلى قلعة وطنية مصرية خالصة، فارقة عن الأندية التي أسسها أو هيمن عليها الأجانب في ذلك الوقت.
تعود جذور التأسيس إلى بدايات القرن العشرين، وتحديدًا عام 1906، حيث أسس حسن محمد إسماعيل رسمي، الشهير بـ حسن رسمي، ناديًا أطلق عليه اسم "نادي الاتحاد".. هذا الاسم سرعان ما تغير ليصبح "الاتحاد الوطني" عام 1908، تيمنًا بأسم الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل، ليرسخ الارتباط الوثيق بين الكيان الرياضي والمشروع السياسي الوطني.
في الإسكندرية، التي كانت تحت وطأة الوجود الأجنبي القوي، كانت الحاجة ماسة لتوفير متنفس ومركز تجمع للشباب المصريين بعيدًا عن هيمنة "أندية الأجانب" كالأوليمبي (الذي كان يُعرف بنادي الموظفين).. فكان الهدف الأساسي من إنشاء الاتحاد هو تأسيس "أول ناد وطني للمصريين دون أجانب"، ليكون مركزًا لترسيخ الهوية الوطنية ومقاومة الثقافة الدخيلة من خلال الرياضة والثقافة.
التأسيس الفعلي للاتحاد السكندري بصورته الأقرب للشكل الحالي تم في 4 أغسطس 1914، عبر دمج عدد من الفرق والكيانات الوطنية الصغيرة، كان أبرزها "نادي الاتحاد" وحسن رسمي، مع "النادي السكندري"، ليخرج الكيان الموحد باسم "نادي الاتحاد السكندري" عام 1918.. هذا الاندماج لم يكن مجرد ترتيب إداري، بل كان تعبيرًا عن اتحاد القوى الوطنية تحت راية واحدة.
تجسدت العلاقة بين النادي والحياة السياسية المصرية في شخصيات قيادية بارزة تولت رئاسة النادي ومجلس إدارته، لعل أبرزهم هو فهمي بك ويصا، السياسي الكبير وأحد مؤسسي حزب الوفد، وتلميذ سعد زغلول، والذي تولى رئاسة النادي لفترة طويلة (من العشرينات حتى 1953) وكان أول نائب مسيحي في مجلس الشيوخ بعد دستور 1923.. كما برز اسم محمود القاضي، الذي كان أحد أبرز قادة المعارضة ضد الاحتلال البريطاني، وتحول من تزعم بطولات النادي إلى عضوية مجلس الشعب.
هذا المزيج من الرياضيين والسياسيين جعل الاتحاد السكندري يكتسب لقب "نادي الوطنية"، فهو النادي المصري الوحيد الذي لم يتولَّ رئاسته أبدًا رئيس غير مصري، وتحول النادي وجماهيره إلى رمز للمواقف الوطنية، حيث كانت المدرجات تتحول إلى منبر للتعبير عن الشعور الوطني الرافض للاحتلال، حتى الهتاف الشهير للجماهير، "مدد مدد مدد الاتحاد سيد البلد"، يحمل دلالة على الترابط القوي بين الكيان الكروي والمدينة، واعتباره رمزًا لسيادتها واستقلال قرارها.
يظل نادي الاتحاد السكندري نموذجًا حيًا لكيفية تحول الأنشطة الرياضية إلى حاضنة للوعي السياسي والاجتماعي في فترات المقاومة الوطنية. لم يكن الفريق يلعب من أجل الفوز بالبطولات فحسب، بل كان يحمل لواء تمصير الرياضة والمجتمع، لتظل قصة تأسيسه جزءًا أصيلًا من تاريخ الكفاح الوطني المصري.
