شهدت المملكة المغربية في السنوات الأخيرة، وتحديدًا حول العام 2022-2023، ظاهرة لافتة تعكس تعقيد المشهد الاجتماعي والسياسي، ففي الوقت الذي كان فيه المنتخب الوطني المغربي يحقق إنجازات تاريخية غير مسبوقة في مونديال قطر 2022، جابت الشوارع المغربية، من الرباط إلى الدار البيضاء ووجدة وغيرها، احتجاجات واسعة دعت إليها حركات شبابية أبرزها ما يُعرف بـ "جيل زد 212"، للمطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة.
لطالما اعتبرت كرة القدم، وفقًا لنظرية "الرياضة أفيون الشعوب"، أداة تستخدمها الأنظمة لإلهاء الجماهير عن القضايا السياسية والاجتماعية الملحة، وتحويل مشاعر الغضب إلى طاقة احتفالية وطنية، وبالفعل، أظهرت الاحتفالات العارمة بالتأهل التاريخي للمربع الذهبي في كأس العالم 2022 مدى قدرة كرة القدم على توحيد الوجدان الوطني ورفع الروح المعنوية.
ولكن، سرعان ما تبددت نشوة الانتصار أمام الحقائق المعيشية القاسية، فالإنجاز الكروي، بالرغم من رمزيته الهائلة، لم يستطع أن يحل أزمات مثل ارتفاع الأسعار والغلاء الذي طال المواد الأساسية، مثيرًا سخطًا شعبيًا واسعًا وتدهور الخدمات العامة خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، وهي مطالب رئيسية للمحتجين، واستمرار التفاوتات الاجتماعية والإقصاء الذي يشعر به الجيل الجديد، والمطالبة بإقالة حكومات وإصلاحات عميقة في مؤسسات الدولة.
العلاقة بين النجاح الكروي والاحتجاجات في المغرب لم تكن مجرد تجاور زمني، بل تحولت في بعض الأحيان إلى نقطة تصادم مباشرة، فقد ربط بعض المحتجين الغاضبين بين الإنفاق الحكومي الضخم على البنية التحتية الرياضية، والاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، والجوائز والمكافآت السخية للاعبين، وبين فشل أنظمة الرعاية الصحية والتعليم الأساسية التي يعاني منها المواطن.
رفع الشباب المحتج، وتحديدًا في حراك "جيل زد"، شعارات واضحة تطالب بـ "المستشفيات بدلاً من الملاعب"، ما يعكس قناعة بأن الأولويات الحكومية لا تتفق مع احتياجاتهم الأساسية، هذا النقد الموجه نحو الإنفاق على "القوة الناعمة" في وقت تتفاقم فيه "المعيشة القاسية"، يدل على أن الشعب المغربي لم يعد يتقبل سياسة التلهية أو الإلهاء بالرياضة بشكل مطلق.
تلعب مجموعات الألتراس المغربية دورًا هامًا في هذا المشهد، حيث لم تعد المدرجات مجرد مكان للتشجيع، بل تحولت إلى مساحات لـ "المقاومة الرمزية" هذه المجموعات، التي تتمتع بقدر كبير من التنظيم والتأثير، غالبًا ما تكون في طليعة التعبير عن السخط الاجتماعي والسياسي، حتى في ذروة النشوة الكروية.
أثبتت الاحتجاجات الأخيرة في المغرب أن الرياضة، مهما كانت إنجازاتها باهرة، لا يمكنها أن تكون بديلًا عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقديم الخدمات الأساسية ذات الجودة، إن السخط الاجتماعي والاقتصادي هو نار لا يطفئها سوى الإصلاح الحقيقي، وليس مجرد الفرحة العابرة بهدف في شباك الخصم.
