في شوارع الإسكندرية المزدحمة، حيث يلتقي تاريخ المدينة الساحلية بصخب الحاضر، لا يزال "الترام" يمثل شريان حياة ورمزًا لا يغيب؛ لكن قصة الترام لا تتوقف عند القضبان وعربات النقل، بل تتجسد في واحد من أقدم وأعرق الأندية المصرية، هو نادي الترام الرياضي، الذي وُلد من رحم شركة النقل الجماعي ليصبح عميدًا لأندية الشركات ومدرسة عريقة أنجبت جيلًا بعد جيل من نجوم الكرة المصرية.
قصة تأسيس نادي الترام لا تبدأ بهدف أو صافرة حكم، بل تبدأ بقرار إداري وتنظيمي يعود إلى ما قبل الثورة بسنوات طويلة، ففي عشرينيات القرن الماضي، كانت شركة الترام والنور بالإسكندرية (التي كانت تُدير شبكة الترام بالمدينة) تدرك أهمية النشاط الرياضي والاجتماعي لموظفيها.. كانت هذه الفترة تشهد بداية نشأة الأندية الرياضية في مصر، وكانت الحاجة ملحة لوجود متنفس ومنتجع رياضي يخدم العاملين بالشركة ويحافظ على لياقتهم البدنية والاجتماعية.
يشير التاريخ المدون للنادي إلى أن التأسيس الفعلي له يعود إلى عام 1928.. كان النادي في بداياته يمثل مرفقًا رياضيًا واجتماعيًا بسيطًا داخل محيط الشركة، ويقع مقره آنذاك في منطقة حيوية بالإسكندرية.. كانت الشركة وقتها تُدار بمعرفة الأجانب، خاصة الإيطاليين واليونانيين، الذين نقلوا شغفهم بالرياضة، وكرة القدم تحديدًا، إلى العمال المصريين. في تلك الأجواء، لم يتأخر نادي الترام في الانضمام إلى منظومة كرة القدم المصرية.
وبفضل الدعم المالي والتنظيمي القوي لشركة الترام، سرعان ما اكتسب النادي قوة دفع مكنته من الصعود والمنافسة على أعلى المستويات.
وخلال عقود الأربعينات والخمسينات، أصبح الترام منافسًا قويًا للأندية الكبرى في الإسكندرية مثل الاتحاد السكندري والأوليمبي، وبدأ يُعرف بـ "عميد أندية الشركات" لتفرده ونجاحه كنادٍ مؤسسي.
تكمن القيمة الحقيقية لنادي الترام في كونه كان بمثابة مشروع اكتشاف وتصقيل المواهب، حيث اعتمد النادي على استراتيجية واضحة في رعاية الناشئين، ليقدم للكرة المصرية أسماءً لامعة ما زالت محفورة في ذاكرة الجماهير.
من أبرز وأشهر النجوم الذين خرجوا من عباءة نادي الترام، ويُعدون علامات مضيئة في تاريخه أحمد الكاس أحد أساطير الكرة المصرية في التسعينات، ونجم المنتخب الوطني ونادي الزمالك السابق، وبدأ مسيرته وتوهجه الحقيقي في صفوف نادي الترام ومحمد عبد الجليل لاعب الأهلي والزمالك السابق ومنتخب مصر، والذي بدأ مشواره الرياضي أيضًا في صفوف النادي السكندري.
كما أن النادي لم يقتصر دوره على كرة القدم، بل امتد ليشمل رياضات أخرى مثل كرة السلة والطائرة والسباحة، حيث كان يمثل دائمًا مركزاً لتجمع الرياضيين الموهوبين في الإسكندرية.
بعد تأميم شركة الترام وتحولها إلى كيان مصري خالص، مر النادي بالعديد من التحولات والتحديات الإدارية والمالية، ومع تراجع الدعم المؤسسي لشركات النقل، واجه الترام صعوبات أدت إلى تذبذب مستواه وابتعاده عن دوري الأضواء في فترات طويلة.. ومع ذلك، يظل نادي الترام الرياضي شاهدًا حيًا على مرحلة هامة في تاريخ مصر، حيث يمثل نموذجاً لنجاح العلاقة بين المؤسسة الاقتصادية والمشروع الرياضي-الاجتماعي.
ويتطلع اليوم محبو النادي إلى استعادة أمجاده والمنافسة بقوة مرة أخرى، معتمدين على تاريخه العريق وموقعه المميز في قلب عروس البحر الأبيض المتوسط.. فـ الترام ليس مجرد نادٍ، بل هو إرث وتاريخ يتحرك على أرض الإسكندرية.
