في المشهد الرياضي المغربي، لا يعد نادي الجيش الملكي (AS FAR) مجرد فريق لكرة القدم يطمح لحصد الألقاب، بل هو مؤسسة سيادية ورمز رياضي يحمل في طياته فصولاً من تاريخ المغرب الحديث، منذ لحظة انبعاثه، لم يكن النادي وليد صدفة رياضية، بل كان مشروعاً وطنياً بصبغة عسكرية وسياسية واضحة، رسم ملامحه الملك الراحل الحسن الثاني حين كان ولياً للعهد.

يعود تاريخ التأسيس إلى عام 1958، أي بعد سنوات قليلة من حصول المغرب على استقلاله. في تلك الحقبة، كان المغرب يسعى لبناء مؤسساته الوطنية، وكانت الرياضة إحدى أهم أدوات "القوة الناعمة".. بظهير ملكي وبإرادة مباشرة من الحسن الثاني، أُسس النادي ليكون الذراع الرياضي للقوات المسلحة الملكية
.

كان الهدف السياسي من التأسيس مزدوجًا أولاً، إيجاد نموذج "للانضباط والاحترافية" يقتدي به الشباب المغربي في فترة ما بعد الاستعمار.. ثانياً، كسر هيمنة أندية مدينتي الدار البيضاء (الوداد والرجاء) التي كانت تشكل مراكز استقطاب جماهيري قد تخرج أحياناً عن السيطرة السياسية التقليدية، فكان "العساكر" هم القوة الثالثة التي تضمن التوازن في هرم القوى الكروي
.

لم يكن الملك الحسن الثاني رئيساً شرفياً فحسب، بل كان "المدرب والمخطط والموجه".. وتذكر الروايات التاريخية أنه كان يتدخل في أدق التفاصيل، من اختيار نوعية اللاعبين إلى وضع الخطط التكتيكية في المباريات الكبرى.. كانت فلسفة النادي تعتمد على "المغربة الكاملة"؛ حيث كان يُمنع النادي من استقطاب أي لاعب أجنبي حتى نهاية التسعينيات، في رسالة سياسية مفادها أن الكفاءة المغربية قادرة على التفوق دون استيراد خبرات خارجية.

هذا الربط الوثيق بين القصر والنادي جعل من "الزعيم" (لقب الفريق) رمزاً لهيبة الدولة. فالانتصار في الملعب كان يُترجم كنجاح للمؤسسة العسكرية والنهج الملكي في الإدارة، وهو ما جعل الفريق يحظى بدعم لوجستي ومالي لا يضاهى، مكّنه من السيطرة على الكرة المغربية في الستينيات والثمانينيات.

تدار إدارة النادي حتى يومنا هذا من قبل ضباط سامين في القوات المسلحة الملكية، وهو ما يفرض طابعاً خاصاً من "السرية والانضباط" يختلف عن بقية الأندية التي تئن تحت وطأة الصراعات الانتخابية والمنخرطين.. في نادي الجيش، لا يوجد "برلمان" للنادي أو انتخابات رئاسية صاخبة؛ القرار ينبع من تراتبية عسكرية صارمة
.

اليوم، ومع دخول الكرة المغربية عصر الشركات والاحتراف، يحاول نادي الجيش الملكي الموازنة بين هويته العسكرية التاريخية ومتطلبات العصر؛ لكن يبقى الثابت الوحيد هو أن قميص النادي العسكري سيظل يمثل الرابط الوثيق بين الرياضة والسياسة في المملكة، كشاهد على مرحلة بناء الدولة وتثبيت أركان العرش عبر بوابة "الساحرة المستديرة
".