أثناء زيارة موقع خمسة سياسة لمدرسة الفخار بقرية تونس بمخافظة الفيوم و في قلب الطين تولد الحكايات، وعلى أيدي الموهوبين تتحول البساطة إلى فن خالد. من قرية تونس، حيث تمتزج الطبيعة بالإبداع، استوقفنا قصة نجاح و احتراف شقّ عبدالله طريقه في عالم الفخار بإصرار وشغف، فحوّل الشغف إلى حرفة، والحرفة إلى نجاح. لم يكن الفن لديه مجرد عمل يومي، بل لغة يعبر بها عن ذاته، ورسالة تؤكد أن الإبداع حين يقترن بالاجتهاد يصنع مستقبلًا مختلفًا، ويمنح صاحبه مكانًا يليق بحلمه
يقول عبدالله، وهو شاب من قرية تونس، إن حبه لمهنة الفخار كان الدافع الأساسي لبدء رحلته في هذا المجال. ويوضح أنه حين قرر تعلم المهنة، توجّه إلى المدرسة المتخصصة هناك، حيث يجد كل من لديه رغبة أو فكرة في تعلم الفخار ترحيبًا ودعمًا، مؤكدًا أن المكان يفتح أبوابه لكل من يحب هذه الحرفة ويسعى لإتقانها.
ويشرح عبدالله مراحل العمل، موضحًا أن مراحل العمل تبدأ بمرحلة الصنفرة، حيث يتم تخفيف وزن القطعة وتشكيلها بدقة. في هذه المرحلة، يبدأ العامل بتخفيف الطين من الأماكن التي يعرفها جيدًا، حتى تتضح ملامح القطعة ويُضبط شكلها الخارجي بشكل كامل. وبعد الانتهاء من ضبط القاعدة والجوانب، تكون هذه المرحلة قد اكتملت، لينتقل بعدها إلى المرحلة التالية.
ويشير إلى مرحلة “البطانة”، حيث تُستخدم البطانة الرمادي والبطانة البيضاء، وهما نوعان من الطين الناعم، ويتم من خلالهما تنفيذ ما يشبه اللوحة الفنية على الكوب أو القطعة الفخارية. وتُعد هذه الخطوة من المراحل المهمة التي تعطي للقطعة أساسها اللوني الأولي.
بعد ذلك تأتي مرحلة الطلاء الأبيض، حيث يتم قلب القطعة في الطلاء الأبيض ثم إخراجها وتركها حتى تجف تمامًا، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة الرسم. وفي هذه المرحلة، يتم إعداد الأدوات الخاصة بالرسم وتنفيذ الزخارف، ويؤكد عبدالله أن جميع الرسومات مستوحاة من الطبيعة، وكذلك الألوان المستخدمة، كما أوضح لهم الأستاذ محمود، حيث تعكس الرسومات عناصر طبيعية بسيطة تعبّر عن البيئة المحيطة.
وعقب الانتهاء من الرسم، تبدأ مرحلة التلوين، والتي تعتمد على لونين أساسيين فقط هما الأخضر والأزرق، بناءً على رؤية فنية محددة؛ لمدام إيفلين صاحبة الفكرة فالأخضر يرمز إلى الأشجار والطبيعة، بينما يرمز الأزرق إلى السماء، ما يمنح القطع الفخارية طابعًا هادئًا ومميزًا.
ثم تأتي المرحلة الأخيرة قبل الحرق، وهي مرحلة “الجليز”، وهي مادة تشبه الزجاج في شكلها، تكون على هيئة بودرة يتم خلطها واستخدامها لتغطية القطعة، لتمنحها اللمعان والحماية. وبعدها تدخل القطع إلى الفرن، الذي تصل درجة حرارته إلى نحو 1200 درجة مئوية. ويستمر تشغيل الفرن لمدة تصل إلى ثماني ساعات، الأربع ساعات الأولى باستخدام الغاز، والأربع ساعات التالية باستخدام السولار والهواء.
ويؤكد عبدالله أن هذه التجربة أفادته كثيرًا، سواء من الناحية العملية أو الشخصية، موجّهًا رسالة إلى الشباب بضرورة العمل والاجتهاد وعدم إضاعة الوقت. ويوضح أنه إلى جانب تعلمه للمهنة التي أحبها، يحصل أيضًا على راتب شهري، ما جعله أكثر تمسكًا بالعمل في هذا المجال.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن مهنة الفخار بسيطة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى تفكير وإبداع، خاصة في مرحلة الرسم والتصميم، موضحًا أن القليل من التفكير كافٍ لإنتاج عمل مميز. ويشير إلى أن هناك إقبالًا على منتجاتهم، سواء من خلال الطلبيات المحلية أو الأعمال التي يتم تصديرها للخارج، ما يفتح المجال للشهرة والنجاح، ويجعل من الفخار مهنة لها مستقبل واعد
ويظل عبدالله نموذجًا مُشرفًا لشباب آمنوا بقيمة العمل وأخلصوا لما أحبوه، فصنعوا من أيديهم طريقًا للنجاح. نجاحه في مجال الفخار لا يُجسّد مجرد حرفة أتقنها، بل يعكس روح الإصرار والطموح، ويبعث برسالة فخر بأن الاجتهاد والشغف قادران على تحويل الحلم البسيط إلى إنجاز يُحتذى به
