لطالما عُرف صعيد مصر بأنه مهد الحضارة ومنبع الأصالة؛ لكن في العقود الأخيرة، أثبتت "بلاد الذهب" أنها أيضاً المصدر الرئيسي لصلابة الرياضة المصرية.. من قلب المعاناة، وبين دروب القرى التي تفتقر أحياناً لأبسط الإمكانيات، خرج مقاتلون لا يعرفون الانكسار، ليعيدوا رسم خارطة الكرة المصرية بصبغة "صعيدية" خالصة، تميزت بالبأس الشديد والانتماء المنقطع النظير.
لم يكن طريق اللاعب الصعيدي نحو أضواء القاهرة مفروشاً بالورود؛ فالمسافة بين أسوان أو سوهاج وبين ملاعب العاصمة ليست مجرد كيلومترات، بل هي رحلة كفاح ضد التهميش وضعف البنية التحتية.. ومع ذلك، نجح "الجنوب" في تصدير مواهب لم تكتفِ باللعب محلياً، بل كانت هي الأعمدة الفقرية للمنتخبات الوطنية التي سيطرت على القارة السمراء.
لا يمكن الحديث عن الصعيد والرياضة دون الوقوف احتراماً لـ أحمد حسن، ابن مدينة مغاغة بالمنيا.. "الصقر" الذي بدأ من مراكز الشباب البسيطة ليصبح أكثر لاعبي العالم خوضاً للمباريات الدولية لفترة طويلة، محققاً أربعة ألقاب أمم أفريقية.. أحمد حسن يجسد "العناد الإيجابي" للشخصية الصعيدية، الذي لم يرضَ بغير الاحتراف الأوروبي والريادة القارية بديلاً.
وفي العصر الحديث، استمر التدفق الجنوبي؛ فبرز محمود عبدالرازق شيكابالا وغيرهم من اللاعبين الذين أثبتوا أن الموهبة في الصعيد فطرية، تحتاج فقط إلى عين خبيرة تكتشفها.. كما لا ننسى الأندية التي مثلت الصعيد مثل نادي أسوان وبني سويف، والتي كانت وما زالت تمثل "المدرسة" الأولى لتقديم الوجوه الجديدة للممتاز.
أضاف الصعيد "الشخصية القوية"؛ فاللاعب الصعيدي غالباً ما يتميز بالتحمل البدني العالي والقدرة على اللعب تحت الضغوط الجماهيرية.. كما أضاف "العمق الاستراتيجي"، فبدلاً من الاعتماد على مواهب العاصمة فقط، أصبح الجنوب هو الخزان الذي يمد الأندية الكبرى بالمقاتلين في مراكز الدفاع والوسط تحديداً.
يبقى صعيد مصر هو "الروح" التي تنبض في جسد الرياضة المصرية. ورغم التطور الذي شهده قطاع الناشئين، يظل الجنوب بحاجة إلى مزيد من الاستثمارات الرياضية، لضمان استمرار تدفق هؤلاء العمالقة الذين يبرهنون يوماً بعد يوم أن "الكنز المدفون" في باطن أرض الصعيد ليس آثاراً فقط، بل هو بشر يصنعون المجد ويرفعون الراية عالياً.
