في حلقة ثرية بالمكاشفة والبعد الإنساني، استضافت الدكتورة أسماء حسنين، رئيس تحرير موقع «خمسة سياسة»، اللواء مدحت الشريف، عضو مجلس النواب السابق وأحد قيادات المخابرات الحربية سابقًا، في برنامج «قعدة سياسة»، حيث قدّم شهادة شخصية ووطنية كاشفة عن مسيرته الممتدة بين العمل الاستخباراتي، والإدارة المدنية، والممارسة البرلمانية، مؤكدًا أن ما قدّمه هو وأمثاله كان «للبلد لا في البلد»، لأن مصر – على حد تعبيره – «لا تنسى من خدمها».
واستهل اللواء مدحت الشريف حديثه برفض أي ألقاب أو رتب، مشددًا على أنه يفضّل أن يُعرَّف كمواطن مصري اسمه «مدحت الشريف»، عمل في مواقع مختلفة، من بينها المخابرات الحربية لمدة 27 عامًا، معتبرًا أن هذا وحده «كفاية جدًا»، دون حاجة إلى ألقاب عسكرية أو درجات علمية. وأوضح أن طبيعة العمل في هذا الجهاز الوطني لا تسمح بسرد التفاصيل، لكنه شدد على أن التجربة كانت مزيجًا من المسؤولية والمتعة، لا بوصفها وظيفة، بل رسالة وطنية تُؤدى في صمت.
وسرد الشريف نشأته منذ مولده في مصر الجديدة، وانتقاله مع أسرته إلى المنصورة بحكم عمل والده مديرًا إقليميًا لمحلات «عمر أفندي»، قبل أن يعود مرة أخرى إلى مصر الجديدة لاستكمال دراسته. وتوقف عند التحاقه بالمدرسة الثانوية العسكرية في سن مبكرة، معتبرًا تلك المرحلة «نقلة جوهرية» في تكوين شخصيته، حيث تعلّم الانضباط، والمنافسة مع الذات، والتميّز العلمي والرياضي والثقافي.
وتحدّث عن سنوات الكلية الحربية، مؤكدًا تخرّجه ضمن أوائل دفعته، وحصوله على عدد كبير من الأنواط في مختلف الأنشطة، من التفوق العلمي والرياضي إلى الرماية وحسن أداء الواجب، معتبرًا أن التميّز «نعمة لها ضريبة»، تتمثل في ضرورة الحفاظ عليه، وما يرافقه أحيانًا من ضغوط نفسية ونظرات مقارنة من الآخرين.
وعن مسيرته داخل المخابرات الحربية، أوضح أنه التحق بوحدة خاصة، ثم انتُدب في سن مبكرة للعمل داخل الجهاز، مشيرًا إلى أن ضباط المخابرات يعملون غالبًا بعيدًا عن الأضواء، بلا شهرة أو ذكر إعلامي، لكن تاريخهم محفوظ داخل مؤسساتهم. وأكد أن ما يعتبره البعض «كرتونة شهادة» يراها هو شرفًا وإضافة معنوية لحياته ولتاريخ أسرته، ودليلًا على إحساس عميق بالوطنية.
وتوقّف الشريف عند الجانب الإنساني القاسي للعمل الاستخباراتي، كاشفًا أن بعض المهام كانت تستدعي كتابة الوصية قبل التحرك، لأن «الحياة قد تكون معلّقة على طلقة»، مشددًا على أن هذه التجارب تخلق ارتباطًا خاصًا بالوطن، وحزنًا مضاعفًا عند رؤية أي خلل في مساره، بعيدًا عن الشعارات أو «الأسطوانات المشروخة» كما وصفها.
وعن انتقاله إلى العمل المدني، أوضح أنه شغل لفترة قصيرة منصب مساعد وزير الاتصالات، قبل أن يعتذر، ثم تولى إدارة شركات تابعة لأحد البنوك الخاصة، وشارك في برنامج أوروبي لتحسين التجارة في مصر بتمويل مشترك بين الحكومة المصرية والاتحاد الأوروبي، حتى فضّل التوقف مع اقتراب مرحلة سياسية جديدة بعد ثورة يناير، استعدادًا لممارسة دور سياسي مستقل.
وفي ردّه على سؤال حول صورة ضابط المخابرات في الدراما، أكد أن الأعمال الدرامية تستلهم عمليات حقيقية مثل «رأفت الهجان» و«الشوان»، لكنها تضيف رتوشًا فنية لجذب المشاهد، موضحًا أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن أجهزة المخابرات كيانات ضخمة تضم أدوارًا متعددة، من التحليل والتخطيط إلى الدعم الفني واللوجستي، وليس فقط المهام السرية المثيرة.
كما نفى الصورة النمطية عن الثراء، مؤكدًا أن ضباط المخابرات لا «يقبضون في شوالات»، وأن الرزق مفهوم أشمل من المال، يشمل الستر، والصحة، والأسرة، والاستقرار، معتبرًا أن ما يناله الإنسان من توفيق هو رزق من الله لا يُقاس بالأرقام.
واختتم اللواء مدحت الشريف حديثه برسالة تقدير لكل من خدموا الوطن في صمت، قائلًا: «أنتم مش في البلد… أنتم للبلد»، مؤكّدًا أن مصر لا تنسى من عمل بإخلاص من أجلها، قبل أن ينتقل الحوار إلى تقييمه لتجربته البرلمانية ورؤيته للمشهد السياسي والبرلمان الحالي، في نقاش وصفته مقدمة البرنامج بأنه يمس جوهر ما «يُصنع في البلد الآن»، لا ما يُقال عنها فقط.
