تواجه صناعة السكر في مصر واحدة من أخطر الأزمات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة قد تمتد آثارها إلى مئات الآلاف من الأسر المصرية. وتأتي الأزمة في ظل مجموعة من التحديات المتزامنة التي تضغط بقوة على الشركات الحكومية العاملة في إنتاج السكر من القصب والبنجر، ما دفع خبراء وعاملين بالقطاع إلى المطالبة بتدخل حكومي عاجل لإنقاذ المنظومة قبل دخولها مرحلة الانهيار الكامل.
وتشير التقديرات إلى أن قطاع السكر الحكومي يضم 16 مصنعًا ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعشرات الآلاف من المواطنين، فضلًا عن اعتماده على إنتاج نحو 700 ألف مزارع قصب وبنجر، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذا القطاع تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
تحديات صناعة السكر تهدد استقرار السوق المحلي
تشهد صناعة السكر ضغوطًا متزايدة نتيجة احتمالات تطبيق نظام الدعم النقدي بدلًا من الدعم العيني ضمن موازنة العام المالي 2026/2027، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الشركات الحكومية لميزة التسويق المضمون من خلال منظومة التموين.
كما تواجه الشركات أزمة أخرى تتمثل في وجود فائض إنتاج كبير وصل إلى نحو 3.18 مليون طن، وهو ما يعكس نجاح الدولة في رفع معدلات الاكتفاء الذاتي إلى أكثر من 82%، إلا أن غياب آليات تسويقية فعالة حوّل هذا الإنجاز إلى عبء مالي ثقيل بسبب صعوبة تصريف الكميات المنتجة.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع تدفق كميات من السكر المستورد بأسعار تقل عن المنتج المحلي بنحو 2000 جنيه للطن، ما خلق منافسة غير متكافئة أثرت سلبًا على الشركات الوطنية وأضعفت قدرتها على تسويق منتجاتها داخل السوق.
صناعة السكر بين تراكم المخزون وارتفاع المديونيات
تعاني صناعة السكر حاليًا من تراكم مخزونات ضخمة تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات، في وقت تواجه فيه الشركات أعباء مالية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة البنكية التي تجاوزت 20%، إلى جانب تكاليف التخزين التي تصل إلى نحو 1200 جنيه للطن سنويًا.
ويرى مختصون أن استمرار الوضع الحالي دون حلول عاجلة قد يؤدي إلى استنزاف السيولة المالية للشركات، ما يهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين والمزارعين. كما أن تأخر سداد مستحقات المزارعين قد ينعكس سلبًا على خطط التوسع في زراعة القصب والبنجر خلال المواسم المقبلة.
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود الشركات لتطال ما يقرب من 25 ألف عامل يعتمدون على استمرار تشغيل المصانع، فضلًا عن مئات الآلاف من الأسر المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالقطاع.
حلول عاجلة لإنقاذ صناعة السكر خلال 6 أشهر
طرح عدد من الخبراء والمسؤولين السابقين مجموعة من المقترحات التي يمكن أن تسهم في إنقاذ صناعة السكر خلال الأشهر الستة المقبلة، وعلى رأسها تصدير ما بين 300 و400 ألف طن من الفائض الإنتاجي بشكل منظم، بما يوفر سيولة مالية تتراوح بين 8 و10 مليارات جنيه تساعد في تقليص المديونيات المتراكمة.
كما تتضمن المقترحات إنشاء بورصة موحدة للسكر تعمل كمنصة مركزية للتعاقدات السنوية مع المصانع الغذائية، بهدف ضمان استقرار الأسعار وتحقيق تدفقات مالية منتظمة للشركات المنتجة.
ومن بين الحلول المطروحة أيضًا قيام الدولة بشراء نحو 500 ألف طن من السكر لصالح الاحتياطي الاستراتيجي، وهو ما من شأنه ضخ نحو 15 مليار جنيه داخل الشركات الحكومية، بما يعزز قدرتها على الاستمرار في الإنتاج وسداد الالتزامات المالية.
كذلك طُرحت مبادرة "السكر الوطني" لتسويق ما بين 200 و300 ألف طن عبر المجمعات الاستهلاكية المنتشرة على مستوى الجمهورية بأسعار مناسبة للمواطنين، بما يحقق هدفين متوازيين هما تخفيف الأعباء المعيشية على الأسر المصرية والمساهمة في تصريف المخزون الراكد.
ويرى المتابعون أن إنقاذ صناعة السكر لم يعد مجرد قضية اقتصادية تخص عددًا من الشركات، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي المصري وتقليل الاعتماد على الاستيراد والحفاظ على استقرار أسعار إحدى أهم السلع الأساسية في السوق المحلية، مؤكدين أن سرعة اتخاذ القرار خلال الفترة المقبلة ستكون العامل الحاسم بين إنقاذ القطاع أو الدخول في أزمة أعمق قد تكون كلفتها أكبر بكثير من تكلفة الحلول المقترحة.
نوصي بقراءة:تداول السكر عبر البورصة السلعية.. توافق بين الشركات المنتجة على آليات التنفيذ تمهيدًا لإطلاق الجلسات الأولى
نوصي بقراءة: المهندس سامي عبدالمطلب لــ"خمسة سياسة": عيد الأضحى المبارك يعكس تماسك الدولة وجهود القيادة المصرية في دعم المواطن
