تجد الدولة المصرية نفسها هذه الأيام أمام اختبار مزدوج غير مسبوق في تعقيده؛ فبينما لا تزال ملفات التهدئة في قطاع غزة مفتوحة على كل الاحتمالات، تلقت البلاد ضربة مباشرة على أراضيها حين تعرض ميناء دمياط لهجوم بطائرة مسيّرة استهدف سفينتين، إحداهما مخصصة لتغويز الغاز الطبيعي المسال ضمن منظومة تأمين احتياجات الطاقة القومية. الحادثان، رغم اختلاف طبيعتهما، يضعان القاهرة أمام معادلة واحدة: كيف تحمي مصالحها الأمنية والاقتصادية وتحافظ على دورها الإقليمي الفاعل، دون أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب إقليمية متعددة الجبهات تمتد من قطاع غزة إلى مضيق هرمز؟

الجبهة الأولى: غزة ومأزق "الوساطة تحت النار"

لم تتوقف مصر منذ اندلاع التصعيد الأخير في قطاع غزة عن ممارسة دورها المحوري بوصفها الوسيط الرئيسي بين الأطراف المعنية، سواء عبر فتح قنوات اتصال مباشرة مع القوى الدولية الفاعلة، أو من خلال إدخال آلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية إلى القطاع. غير أن هذا الدور يصطدم بتعقيدات متجددة؛ إذ حذّرت القاهرة مؤخرًا من تصريحات إسرائيلية تتحدث عن تنفيذ ما يسمى بـ"خطة الهجرة الطوعية" من غزة، وهو ما يمثل خطًا أحمر بالنسبة للدولة المصرية التي ترفض بشكل قاطع أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، سواء إلى سيناء أو غيرها.

وفي مواجهة هذا التصعيد، تحركت مصر دبلوماسيًا عبر اتصالات مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية لحث الرئيس الأمريكي على التدخل العاجل لكبح التصعيد الإسرائيلي، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية، ودفع حركة حماس نحو استكمال المفاوضات المتعلقة بملفات جوهرية مثل الإفراج عن الأسرى وتفعيل مسار المصالحة الفلسطينية.

اللافت أن الدور المصري في هذا الملف تجاوز حدود الوساطة السياسية التقليدية؛ إذ أشارت تقارير إسرائيلية إلى دخول فريق مصري متخصص إلى قطاع غزة، مزوّد بأجهزة لتحديد مواقع الجثث، للمساعدة في البحث عن رفات الأسرى الإسرائيليين، وهي خطوة لم ينص عليها الاتفاق صراحة، لكنها جاءت بناءً على تنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيلي الذي منح القاهرة ثقة لم يمنحها لأطراف وسيطة أخرى. ورغم ذلك، لا تزال مصر تشترط أن يبقى أي دور مستقبلي لها في إعادة إعمار القطاع أو الإشراف على ترتيبات ما بعد الحرب مؤطرًا إقليميًا ودوليًا، بمشاركة الأمم المتحدة والدول المانحة، وربطه بآلية تمويل خارجي مستدامة، بعيدًا عن تحمّل أعباء أمنية منفردة دون ضمانات واضحة.

الجبهة الثانية: دمياط.. حين يقترب التصعيد الإقليمي من الداخل المصري

على الجبهة الثانية، مثّل حادث ميناء دمياط، الذي وقع في التاسع والعشرين من يوليو الجاري، نقطة تحول في طبيعة المخاطر التي تواجهها مصر؛ إذ لم يعد التهديد مقتصرًا على تداعيات إقليمية بعيدة، بل بات يطرق الأراضي المصرية مباشرة. فقد أعلن مجلس الوزراء المصري رسميًا أن الحريق الذي اندلع في سفينتين بالميناء ناتج عن طائرة مسيّرة، دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة حتى الآن، فيما تواصل الجهات الأمنية والفنية تحقيقاتها لتحديد مصدر الطائرة وملابسات الاستهداف.

وقد تحركت الحكومة المصرية بسرعة لافتة لاحتواء الأزمة ميدانيًا وإعلاميًا في آنٍ واحد؛ فانتقل وزيرا النقل والبترول والثروة المعدنية فور وقوع الحادث إلى موقع الميناء لمتابعة العمليات ميدانيًا، وتم فصل السفينتين المتضررتين عن بعضهما للحد من انتشار النيران، ثم إبعاد السفينة الأكثر تضررًا مسافة ثلاثة كيلومترات عن الميناء كإجراء احترازي، إلى أن أعلنت الحكومة السيطرة الكاملة على الحريق وعودة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها. ووصف رئيس مجلس الوزراء ما جرى بأنه "نموذج متكامل لإدارة أزمة من الدرجة الأولى"، شاركت فيه مختلف أجهزة الدولة الأمنية والسيادية، مؤكدًا أن الأولوية القصوى كانت حماية الأرواح ومنع تفاقم الموقف إلى ما هو أكبر من ذلك.

ولم يقتصر التعامل مع الحادث على الشق الأمني والفني فحسب، بل امتد إلى بُعد إعلامي واضح؛ إذ دعا وزير الدولة للإعلام المواطنين إلى توخي الدقة وعدم الانسياق وراء الشائعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لضبط السردية العامة ومنع أي تصعيد في الداخل يوازي حساسية اللحظة الإقليمية. وقد انعكست تداعيات الحادث اقتصاديًا بشكل مباشر وسريع، حيث سُجّلت خسائر قُدّرت بنحو 450 مليون دولار في البورصة المصرية، إلى جانب تراجع في أسعار السندات وضغوط إضافية على سعر الجنيه، وهو ما يكشف حجم الترابط بين الاستقرار الأمني والاستقرار الاقتصادي في هذه المرحلة الدقيقة.

السياق الأوسع: مصر بين نيران هرمز وتل أبيب وغزة

لا يمكن قراءة حادث دمياط بمعزل عن السياق الإقليمي الأشمل؛ فمنذ نهاية فبراير الماضي، تشهد المنطقة اضطرابًا جيوسياسيًا واقتصاديًا متصاعدًا يتمحور حول مضيق هرمز، عقب ضربات عسكرية مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ردّت عليها طهران بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت أراضٍ إسرائيلية وقواعد أمريكية ودولًا خليجية، إلى جانب تحذيرات من الحرس الثوري الإيراني حظرت مرور السفن عبر المضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. وقد استمر التصعيد بين واشنطن وطهران خلال الأسابيع الأخيرة، وسط تقارير عن استهداف سفن شحن بطائرات مسيّرة إيرانية في مناطق متفرقة، وتراجع حاد في حركة الملاحة الدولية عبر المضيق.

وفي هذا الإطار، أشارت مصادر إيرانية، بحسب تقارير متداولة، إلى أن استهداف ميناء دمياط قد يحمل رسالة تتعلق بقدرة طهران على توسيع نطاق التصعيد ليشمل أطرافًا إقليمية أخرى غير منخرطة بشكل مباشر في المواجهة، وهو ما يضع مصر، رغم حيادها المعلن، في مرمى تداعيات صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، لكنها تتحمل جزءًا من كلفته بحكم موقعها الجغرافي وثقلها في معادلة الطاقة والملاحة الإقليمية.

كيف توازن القاهرة بين الاحتواء والانضباط؟

يكشف تعامل الدولة المصرية مع الملفين معًا عن نمط واحد من إدارة الأزمات يقوم على ثلاثة محاور متوازية: الاحتواء الميداني السريع لمنع تفاقم أي حادث أمني أو تصعيد مسلح، والانضباط الدبلوماسي الذي يبقي القاهرة في موقع الوسيط لا الطرف، والتماسك الداخلي عبر ضبط الخطاب الإعلامي وطمأنة الأسواق والمواطنين على حد سواء. فعلى الجبهة الفلسطينية، تحرص مصر على البقاء ضمن إطار الوساطة المشروعة المدعومة دوليًا، وترفض الانجرار إلى أي ترتيبات أحادية تفرض عليها التزامات أمنية أو إنسانية دون ضمانات واضحة. وعلى جبهة دمياط، اختارت الحكومة نهج الشفافية المحسوبة، بالإعلان الرسمي عن سبب الحادث دون تسرع في تحديد الجهة المسؤولة، مع التركيز على الجانب الوقائي والاقتصادي لطمأنة المستثمرين وشركات الملاحة.

اختبار الثبات في زمن التصعيد المتعدد

ما يواجهه الجهاز التنفيذي المصري اليوم ليس أزمة عابرة بقدر ما هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة جبهات متعددة الطبيعة في آنٍ واحد؛ دبلوماسية في غزة، وأمنية اقتصادية في دمياط، وسط مظلة إقليمية مشتعلة تمتد من مضيق هرمز إلى الأراضي الفلسطينية. وبينما تنجح القاهرة حتى الآن في احتواء التداعيات المباشرة لكلا الملفين، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا التوازن الدقيق لفترة أطول، في ظل مؤشرات على أن التصعيد الإقليمي لم يصل بعد إلى نقطة الاستقرار، وأن أي حادث جديد، سواء في البحر أو عبر الحدود، قد يعيد فتح الأسئلة ذاتها عن حدود الصبر المصري وقدرته على البقاء خارج دائرة الصراع المباشر.