تخيل أنك تسير في شارع مزدحم… لكن هناك أشخاص بجوارك لا تراهم ،
شخص يراقبك دون أن تشعر، أو يقرأ ما تكتبه، أو حتى يقترب منك دون أن تلاحظه.
تخيل أن أحدهم قد يسرقك أو يعتدي عليك… دون أن تراه لانه يرتدي طاقية الإخفاء

تخيلت؟
الحقيقة الصادمة: هذا لم يعد خيالًا.

لطالما ارتبطت فكرة “الإخفاء” في الوعي الشعبي بـ المصباح السحري، أو مشاهد “طاقية الإخفاء” في أفلام إسماعيل ياسين، بل وحتى بعالم هاري بوتر وعباءته السحرية. لكن ما كان يُعتبر خيالًا محضًا، بدأ يتحول تدريجيًا إلى واقع علمي.

من الخيال إلى المختبر

كشفت صحيفة Inc. في تقرير حديث لها، أن العلماء توصلوا إلى تقنيات متقدمة تُمكّن من “إخفاء” الأجسام فعليًا، عبر ما يُعرف بـ“المواد الخارقة” (Metamaterials).

هذه المواد تعمل بطريقة غير تقليدية، حيث تقوم بـ تحريف مسار الضوء حول الجسم، بدلًا من انعكاسه عليه، وهو ما يجعل العين البشرية غير قادرة على رؤيته.

“Quantum Stealth”.. الجيل الجديد من الإخفاء

أحد أبرز هذه الابتكارات هو ما يُعرف بـ (Quantum Stealth)، الذي طورته شركة HyperStealth Biotechnology Corp..

حيث في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اكتشف علماء الفيزياء في المملكة المتحدة والولايات المتحدة طريقتين محتملتين لصنع عباءة إخفاء، وقالوا إن التكنولوجيا اللازمة لصنع هذه العباءات موجودة بالفعل. 

وأكد العالم الفيزيائي بجامعة اسكتلندا  " Ulf Leonhardt " ، ان الاختفاء اصبح وشيكا ، كما بدأ الفيزيائي جوناثان ليونهاردت اهتمامه بفكرة الإخفاء في أوائل الألفية الجديدة، وفقًا لما نشرته ناشيونال جيوغرافيك، عندما تعرّف على ما يُعرف بـ“المواد الفائقة” (Metamaterials)، وهي مواد جرى تطويرها منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.

وافادت الابحاث ان هذه المواد تعتمد على هياكل مجهرية دقيقة للغاية، صُممت خصيصًا لإعادة توجيه الضوء حول الجسم بدلًا من انعكاسه عليه، وهو ما يجعل الجسم يبدو غير مرئي للعين المجردة.

وفي عام 2006، نشر ليونهاردت وفريقه بحثين في مجلة Science، عرضوا فيهما تصورًا عمليًا لإمكانية تصنيع عباءة إخفاء، تقوم على استخدام شبكة من الثقوب الدقيقة التي تُجبر موجات الضوء على الالتفاف حول الجسم دون المرور عبره.

وبذلك، يخرج الضوء من الجهة الأخرى في نفس المسار الطبيعي، وكأن شيئًا لم يكن في طريقه، ما يمنح المراقب وهمًا بصريًا كاملًا بأن الجسم غير موجود.

لكن هذه التقنية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، إذ إن تحقيق الإخفاء الكامل يتطلب التعامل مع جميع أطياف الضوء المرئي، وليس طولًا موجيًا واحدًا فقط.

وفي هذا السياق، يوضح الفيزيائي سيباستيان غينو "  Sebastien Guenneau "  بجامعة إمبريال كوليدج لندن  " Imperial College London " ، أن تصنيع هذه المواد على المستوى النانوي يتطلب استثمارات ضخمة قد تصل إلى مليارات الدولارات، بسبب تعقيد بنيتها الدقيقة.

كما يشير إلى مفارقة مهمة، وهي أن الشخص الذي يرتدي عباءة إخفاء من هذا النوع لن يكون قادرًا على الرؤية من خلالها، ما يمثل عائقًا عمليًا أمام استخدامها.

التخفي عن بُعد

لم تتوقف الأبحاث عند حدود المواد الفائقة، بل امتدت إلى محاولات إخفاء الأجسام عن بُعد، دون الحاجة إلى تغليفها مباشرة.

في هذا الإطار، بحث يون لاي Yun Lai من جامعة Nanjing University in China بالصين،  إمكانية تحقيق الإخفاء عبر التحكم في تشتت الضوء بدلًا من تغييره داخل المادة.

وتوصل إلى أنه إذا تم وضع غطاء الإخفاء على مسافة محسوبة من الجسم، فإن الضوء يمكن أن يتشتت بينهما بطريقة تجعل الجسم غير مرئي.

كما ظهرت تقنيات أخرى مثل “التمويه الخارجي النشط”، التي طورها باحثون في جامعة يوتا  the University of Utah عام 2021، وتعتمد على التلاعب بالحرارة بدلًا من الضوء.

وقد أظهرت هذه التقنية إمكانية إخفاء الأجسام عن الكاميرات الحرارية، بل وحتى تغيير مظهرها بالكامل. وفي هذا السياق، قال فرناندو جيفارا فاسكيز: "يمكنك أن تجعل التفاحة تبدو وكأنها برتقالة… الأمر أشبه بتحكم برمجي كامل" .

ثورة علمية… أم تهديد أمني؟

تفتح هذه التقنيات آفاقًا واسعة، خاصة في المجال العسكري، حيث يمكن تخيل جنود أو معدات لا يمكن رصدها بسهولة، ما قد يُحدث تحولًا جذريًا في طبيعة الحروب الحديثة.

لكن في المقابل، تثير هذه التكنولوجيا مخاوف جدية تتعلق بالخصوصية والأمن، إذ يمكن استخدامها في التجسس أو المراقبة أو حتى ارتكاب جرائم يصعب كشفها.

كيف يمكن أن تؤثر علينا؟

رغم أن استخدام “عباءات الإخفاء” للأفراد لا يزال بعيدًا، فإن تطبيقات هذه الأبحاث لا تقتصر على الإخفاء البصري فقط، بل تمتد إلى مجالات أخرى مثل الحماية من الكوارث الطبيعية.

كما يرى سيباستيان" غينو " أن مفهوم الإخفاء لم يعد حبيس الخيال العلمي، بل تحول إلى أداة فعّالة يمكن توظيفها في تطوير أنظمة الحماية من الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل وأمواج المحيطات. ويوضح أن التعامل مع نطاقات أوسع من الموجات يُعد أكثر سهولة مقارنة بالموجات الضوئية الدقيقة التي تُقاس على مستوى النانو. ويشير إلى أنه من خلال تصميم هندسي يعتمد على حفر دوائر متتالية من الثقوب حول المباني، بحيث تتوافق مع ترددات الموجات الزلزالية المتوقعة—والتي يمكن تحديدها وفقًا لطبيعة التربة والصخور—يمكن إعادة توجيه هذه الموجات بعيدًا عن المنشآت، بما يحد من تأثيرها المدمر.

طاقية الإخفاء بين الواقع والخيال

ما بين “طاقية الإخفاء” في التراث الشعبي، ومشاهد السينما، تقف البشرية اليوم أمام حقيقة علمية تتشكل تدريجيًا: الإخفاء لم يعد خيالًا… بل تكنولوجيا في طور التحقق، ويبقى السؤال الأهم: هل ستصبح هذه التقنية وسيلة لحماية الإنسان… أم بابًا جديدًا لتهديده؟