د.أسماء حسنين
رئيس التحريرد.أسماء حسنين
promo

الليرة السورية الجديدة.. حذف صفرين وبداية عهد مختلف

في أولى أيام عام 2026، أسدل المصرف المركزي السوري الستار على حقبة نقدية مثقلة بتضخم حروب الأسد، وأطلّت الليرة جديدة بوجه مختلف — أقل أصفاراً، وآمال أكبر.

من بليون إلى صفحة بيضاء

لا تحتاج إلى أن تكون اقتصادياً لتدرك حجم ما جرى للعملة السورية خلال سنوات الحرب. ليرة كانت تُباع بخمسين مقابل الدولار عام 2011، تدهورت حتى باتت تُساوى بأحد عشر ألف ليرة للدولار الواحد — أكثر من 99% من قيمتها في قاع الهاوية. المحافظ امتلأت بالأوراق، والبائعون يحتسبون ثمن الخبز بالملايين. كان المشهد ينذر بانهيار نقدي كامل لو استمر.

حذف صفرين من العملة لا يعني تحسين الاقتصاد أو حالة الصرف، وإنما يُسهّل التعامل والتداول. أعلى فئة رقمية كانت 5000 ليرة تعادل نصف دولار — اليوم 500 ليرة جديدة تعادل 50 ألف ليرة قديمة، وهذا يعطي سهولة في التداول.

آليات الإطلاق: كيف يجري الاستبدال؟

في الثامن والعشرين من ديسمبر 2025، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عن التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 293، مؤكداً أن كل مئة ليرة قديمة تعادل ليرة واحدة جديدة، وأن العملية ستجري بالكامل مجاناً دون أي رسوم أو عمولات. انطلق التطبيق الفعلي مطلع يناير 2026.

المرحلة الأولى: بدء استبدال فئات 1000 و2000 و5000 ليرة من العملة القديمة عبر 59 مؤسسة مالية وأكثر من 1500 فرع معتمد.

فترة التعايش: تداول العملتين القديمة والجديدة معاً لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد بقرار يصدر قبل ثلاثين يوماً من انتهاء المهلة.

تحويل الأرصدة: تحوّلت جميع أرصدة المصارف تلقائياً إلى الليرة الجديدة اعتباراً من مطلع 2026.

التداول الحصري: في مرحلة لاحقة، يصبح الاستبدال حصراً عبر مصرف سوريا المركزي، ثم تُسحب العملة القديمة نهائياً.

ماذا يعني ذلك للمواطن؟

العقود والالتزامات، الديون والمهور والعقود محفوظة كاملاً وتُحوَّل حسابياً للعملة الجديدة بالقيمة ذاتها دون زيادة أو نقصان.

الرواتب والأجور

تلتزم الجهات بتطبيق معيار الاستبدال على الأسعار والرواتب والأجور تلقائياً دون حاجة لأي إجراء من الموظف.

الاستبدال مجاني

يُحظر على أي جهة فرض رسوم أو عمولات أو ضرائب تحت أي مسمى خلال عملية الاستبدال.

أمان العملة

طُبعت العملة الجديدة لدى مصادر دولية موثوقة بأحدث تقنيات مكافحة التزوير لحماية المتعاملين.

ركائز الاستراتيجية النقدية الجديدة

أوضح حاكم المصرف أن الاستراتيجية الاقتصادية المعتمدة تقوم على خمس ركائز: تحقيق الاستقرار النقدي، وإرساء سوق صرف ثابت وشفاف، وبناء مؤسسات مالية نزيهة وفعالة، وتعزيز التحول الرقمي الآمن، إضافةً إلى تطوير علاقات اقتصادية دولية متوازنة. وشدد على أن السياسة الجديدة هي الضبط المالي، ولا مجال للتضخم.

التحديات الماثلة

لا يزال سعر الصرف يدور حول 11 ألف ليرة للدولار، وحذف الأصفار وحده لن يُعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوري المنهك.

حجم النقد المصدر بلغ 42 تريليون ليرة عام 2024 — مقارنةً بتريليون واحد فقط عام 2011 — مما يعني أن الثقة في العملة تحتاج وقتاً طويلاً لاستعادتها.

إعادة الإعمار تتطلب تدفقات رأسمالية ضخمة وانفتاحاً على الأسواق الدولية — وكلاهما مرهون بمسار سياسي وأمني لا يزال هشاً.

التضخم النفسي خطر حقيقي: قد يُسارع التجار لرفع أسعارهم تحسباً من القيود، مما يستدعي رقابة مستمرة من المصرف المركزي.

الليرة الجديدة بصفرين أقل ليست وصفة سحرية لإصلاح اقتصاد دمرته عقود من الاستبداد وسنوات من الحرب. لكنها خطوة رمزية وعملية في آنٍ واحد: تُقرّ بالانهيار الذي جرى، وتُسهّل حياة الناس اليومية، وتُرسل إشارة بأن سوريا الجديدة مصممة على بناء مؤسساتها من الأساس. النجاح الحقيقي سيُقاس بما يُبنى فوق هذه الورقة النقدية من اقتصاد حقيقي وعدالة وانفتاح — لا بما كُتب عليها من أرقام.