عاد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة مجددًا، بعد فترة من الهدوء النسبي استمرت نحو 48 ساعة، مع تبادل رسائل عسكرية وسياسية أكثر حدة، وتوسع دائرة المواجهة لتطال الكويت، بالتزامن مع استعدادات أمريكية لخيارات عسكرية أوسع، وتهديدات إيرانية برد مماثل على أي استهداف لمنشآت الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات الأزمة على حركة الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.
الكويت تعلن استهداف منشآت حيوية واعتراض طائرات مسيرة
في تطور لافت، أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الكويتية، العقيد الركن سعود عبدالعزيز العطوان، أن هجمات إيرانية استهدفت عددًا من المنشآت الحيوية داخل البلاد، من بينها منشأة حكومية شمال الكويت، إضافة إلى آليات مدنية تابعة لإحدى الشركات العاملة في جزيرة بوبيان.
وأوضح أن الهجمات أسفرت عن أضرار مادية نتيجة سقوط شظايا، دون تسجيل أي خسائر بشرية، مؤكدًا أن القوات المسلحة تواصل تنفيذ مهامها بكفاءة عالية في إطار الجاهزية والاستعداد المستمرين لمواجهة أي تطورات.
وأضاف أن منظومات الدفاع الجوي الكويتية رصدت، السبت، طائرات مسيرة معادية اخترقت المجال الجوي، وتمكنت من اعتراضها وتدميرها، مشيرًا إلى أن أصوات الانفجارات التي سُمعت في بعض المناطق كانت ناتجة عن عمليات التصدي لهذه الهجمات.
وفي السياق ذاته، أدانت وزارة الخارجية الكويتية استمرار الاعتداءات الإيرانية، معتبرة أن استهداف المنشآت الحيوية يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدولة، ويعكس إصرارًا على مواصلة النهج العدائي بما يهدد أمن واستقرار المنطقة. كما أكدت احتفاظ الكويت بحقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها ومصالحها الوطنية.
واشنطن تسرّع استعداداتها العسكرية
بالتوازي مع التطورات الميدانية، كشفت شبكة "سي إن إن"، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين مطلعين، أن وتيرة الاستعدادات العسكرية الأمريكية ضد إيران تسارعت خلال الأيام الأخيرة، وأن القيادة المركزية الأمريكية أعدت خيارات عملياتية مختلفة، تتضمن حملة قصف مكثفة قد تستمر أسبوعين، تستهدف مواقع الصواريخ الإيرانية.
كما نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين أن الولايات المتحدة وإسرائيل تضعان اللمسات الأخيرة على خطط قد تمثل إحدى أعنف حملات القصف ضد البنية التحتية للطاقة في إيران، مع احتمال بدء تنفيذها خلال عطلة نهاية الأسبوع إذا لم تُسفر الجهود الدبلوماسية عن نتائج.
من جانبه، أفاد موقع "أكسيوس"، نقلًا عن مسؤول أمريكي، بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس بجدية توجيه ضربات لمنشآت الطاقة الإيرانية خلال الأيام المقبلة بهدف زيادة الضغوط على طهران ودفعها للقبول بالشروط الأمريكية في المفاوضات، مؤكدًا في الوقت نفسه أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.
وفي الاتجاه ذاته، نقلت صحيفة "نيويورك بوست" عن مسؤول أمريكي أن ترامب لا يزال يمنح المسار التفاوضي فرصة أخيرة، لكنه يشترط موافقة إيران على وقف إطلاق النار قبل اتخاذ أي خطوات جديدة.
طهران: استهداف منشآت الطاقة «خطأ استراتيجي»
في المقابل، صعّدت إيران من لهجتها، حيث أكد مسؤول أمني إيراني، نقلًا عن وكالة "تسنيم"، أن القوات المسلحة الإيرانية سترد بالمثل إذا تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لأي هجوم أمريكي أو إسرائيلي، معتبرًا أن استهداف هذا القطاع يمثل "خطأً استراتيجيًا" ستكون له تداعيات واسعة.
بدوره، قال قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي إن الولايات المتحدة تسعى بوتيرة متسارعة إلى إشعال حرب شاملة في المنطقة، متهمًا واشنطن بالسعي إلى توظيف موارد وثروات دول المنطقة لخدمة استراتيجيتها العسكرية وتعزيز أمن إسرائيل.
وحذر المسؤول العسكري الإيراني من أن أي دولة تسمح باستخدام أراضيها أو إمكاناتها كمنصة للدعم العسكري الأمريكي ستصبح طرفًا مباشرًا في الحرب، وستتحمل تبعات التصعيد.
وفي السياق نفسه، أكدت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني أن استهداف مصافي النفط ومنشآت الغاز يهدف إلى تعطيل الحياة اليومية للإيرانيين ونشر القلق داخل المجتمع، مشددة على أن أمن الطاقة يمثل جزءًا أساسيًا من الأمن القومي الإيراني وأحد أهم ركائز صمود الدولة.
كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن قوة إيران تكمن في التوحد حول القيادة، معتبرًا أن بلاده خرجت منتصرة من المواجهة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب ترسيخ هذا الانتصار وتعزيز الثقة بالمستقبل.
مضيق هرمز يدخل مرحلة أكثر حساسية
ومع تصاعد التوتر العسكري، تتزايد المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن قواتها حولت مسار 30 سفينة تجارية، وعطلت سفينتين، وصعدت إلى متن سفينتين أخريين، لضمان الالتزام بإجراءات الحصار البحري المفروض على إيران، فيما سمحت في المقابل بعبور نحو 30 سفينة أخرى لنقل المساعدات الإنسانية.
وتعكس هذه الإجراءات حجم التعقيدات التي باتت تحيط بحركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى تعطيل تدفقات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.
تداعيات متزايدة على أسواق الطاقة
اقتصاديًا، بدأت تداعيات الأزمة تنعكس بصورة واضحة على أسواق الطاقة العالمية، إذ أشارت الوكالة الدولية للطاقة إلى أن اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز رفعت تكاليف إنتاج الكهرباء وزادت من حدة التقلبات في الأسواق، وإن كانت الإمدادات الإضافية القادمة من أمريكا الشمالية قد ساهمت في الحد من نقص المعروض.
ورغم هذه الاضطرابات، توقعت الوكالة استمرار نمو الطلب العالمي على الكهرباء مدفوعًا بالتوسع الصناعي، والزيادة الكبيرة في استهلاك مراكز البيانات، والانتشار المتسارع للمركبات الكهربائية.
وبحسب تقديراتها، سيرتفع الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3.6% خلال عام 2026، ثم إلى 3.8% في عام 2027، ليتجاوز إجمالي الاستهلاك 30.7 ألف تيراواط/ساعة بحلول عام 2027.
كما رجحت الوكالة أن تصبح مصادر الطاقة المتجددة أكبر مصدر لتوليد الكهرباء عالميًا خلال عام 2026، متجاوزة الفحم لأول مرة، مع ارتفاع مساهمتها في مزيج إنتاج الكهرباء إلى نحو 37% بحلول عام 2027، مقابل 33% في عام 2025.
المنطقة أمام مفترق طرق
تعكس التطورات الأخيرة أن مرحلة الهدوء المؤقت بين واشنطن وطهران انتهت سريعًا، لتعود الأزمة إلى مسار أكثر خطورة مع اتساع نطاق المواجهة، ودخول منشآت الطاقة والملاحة البحرية في قلب الصراع. وبينما تواصل الولايات المتحدة تعزيز خياراتها العسكرية، وتتمسك إيران بسياسة الرد بالمثل، يبقى الخليج أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد نتائجها مستقبل أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة العالمية خلال الفترة المقبلة.
"تغيير خريطة الجنوب".. خبير يحذر من تحركات الاحتلال لفرض واقع...
