في مشهد يعيد إلى الأذهان اعتى فصول الصراع اللبناني الإسرائيلي تعقيدًا، رفعت القوات الإسرائيلية علمها فوق قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان، في خطوة اعتبرها مراقبون تطورًا ميدانيًا وسياسيًا يحمل رسائل تتجاوز حدود المعركة العسكرية المباشرة. ويأتي هذا التصعيد في وقت تتجه فيه الأنظار نحو جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف الإسرائيلية ومدى ارتباط التحركات العسكرية بالمسار الدبلوماسي الجاري.
قلعة الشقيف.. موقع استراتيجي ورسالة سياسية
أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد 31 مايو 2026، سيطرته على قلعة الشقيف ورفع العلم الإسرائيلي فوقها، بالتزامن مع توسيع العمليات العسكرية البرية داخل الأراضي اللبنانية. وتُعد القلعة، المعروفة أيضًا باسم "قلعة بوفور"، من أبرز المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان، إذ تقع على ارتفاع يزيد على 700 متر فوق سطح البحر بالقرب من بلدة أرنون، وتطل على نهر الليطاني وسهل مرجعيون والنبطية والجليل الأعلى.
ولا تقتصر أهمية القلعة على بعدها العسكري فحسب، بل تحمل أيضًا رمزية تاريخية كبيرة باعتبارها واحدة من أبرز القلاع التاريخية في المنطقة. لذلك، فإن السيطرة عليها تمثل مكسبًا ميدانيًا ومعنويًا تسعى إسرائيل إلى استثماره ضمن معادلة الضغط السياسي والعسكري في المرحلة المقبلة.
إخلاء جماعي لقرى الجنوب اللبناني
بالتوازي مع التقدم الميداني، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة لسكان 13 بلدة جنوبية طالبهم فيها بالإخلاء الفوري، في خطوة تعكس حجم العمليات العسكرية المخطط لها خلال الأيام المقبلة. وشملت الإنذارات بلدات سلعا وبرج قلاويه وجبشيت والقصيبة وفرون وعبا ودير كيفا وكفر صير وصريفا والغندورية والنفاخية وقعقعية الجسر وعدشيت الشقيف.
ويشير هذا التحرك إلى أن العمليات الجارية تتجاوز إطار المناوشات المحدودة أو الضربات الموضعية، وتوحي بوجود خطة أوسع لتوسيع نطاق السيطرة الميدانية داخل الجنوب اللبناني، خصوصًا مع استمرار الحشد العسكري الإسرائيلي في المنطقة.
زوطر الشرقية.. جبهة مشتعلة رغم اقتراب المفاوضات
على الأرض، لا تزال بلدة زوطر الشرقية تشهد مواجهات عنيفة بين المقاومة اللبنانية والقوات الإسرائيلية، وسط محاولات متكررة للتوغل داخل البلدة. وتؤكد التطورات الميدانية أن وتيرة الاشتباكات لم تتراجع رغم اقتراب موعد المفاوضات الجديدة، ما يعكس استمرار الرهان الإسرائيلي على الضغط العسكري لتحقيق مكاسب ميدانية قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.
وتُظهر هذه المعارك أن المشهد الميداني لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، خاصة مع تمسك كل طرف بمواقفه وسعيه لتحسين شروطه قبل أي تسوية محتملة.
غارات متواصلة على مدينة صور
في إطار التصعيد المستمر، تعرضت مدينة صور لغارة جوية إسرائيلية أدت إلى تصاعد أعمدة الدخان من مناطق الاستهداف. وتُعد صور من أهم مدن الجنوب اللبناني وأكثرها كثافة سكانية، ما يضاعف المخاوف من اتساع التداعيات الإنسانية للعمليات العسكرية.
ويعكس استهداف المدينة استمرار السياسة الإسرائيلية القائمة على توسيع نطاق الضربات الجوية بالتوازي مع العمليات البرية، بما يزيد من الضغوط على السكان والبنية التحتية في الجنوب.
لماذا تصعّد إسرائيل عملياتها الآن؟
يرى مراقبون أن التصعيد الحالي يرتبط بشكل وثيق بالتحولات السياسية والإقليمية الجارية، خاصة المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران لا تشمل الجبهة اللبنانية، في إشارة إلى رغبة إسرائيل في إبقاء الملف اللبناني منفصلًا عن أي تسويات إقليمية أوسع.
كما يعتبر بعض المحللين أن التحركات العسكرية الأخيرة تهدف إلى تعزيز أوراق الضغط الإسرائيلية قبل أي مفاوضات مستقبلية، بحيث تتحول المناطق التي تتم السيطرة عليها اليوم إلى أدوات تفاوضية تستخدم لاحقًا في رسم الترتيبات الأمنية والسياسية للمنطقة.
وتربط إسرائيل أي اتفاق مستقبلي بمجموعة من الشروط، أبرزها معالجة ملف سلاح حزب الله ووضع ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، وهو ما يجعل التطورات الميدانية الحالية جزءًا من معركة تفاوضية بقدر ما هي مواجهة عسكرية.
إدانات دولية وتحذيرات من كارثة إنسانية
أثار التصعيد الإسرائيلي ردود فعل دولية واسعة، حيث أدانت مصر توسيع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، مؤكدة رفضها لأي خطوات من شأنها تهديد استقرار المنطقة أو زيادة معاناة المدنيين.
كما طالبت بريطانيا بوقف التصعيد فورًا، محذرة من خطورة استمرار العمليات العسكرية على الأمن الإقليمي والوضع الإنساني. وفي السياق ذاته، حذرت منظمة الصحة العالمية من تدهور الأوضاع الصحية في لبنان نتيجة الضغوط المتزايدة على المستشفيات والمرافق الطبية، في ظل استمرار الغارات والعمليات العسكرية.
وتشير هذه المواقف إلى تنامي القلق الدولي من احتمال تحول التصعيد الحالي إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها خلال الفترة المقبلة.
الموقف اللبناني بين التفاوض والتمسك بالثوابت
على الجانب اللبناني، أكد الجيش اللبناني جاهزيته للانتشار في المناطق الجنوبية فور انسحاب القوات الإسرائيلية، في إطار أي ترتيبات يتم الاتفاق عليها مستقبلاً. وفي الوقت نفسه، رفض الوفد العسكري اللبناني مقترحات تتعلق بإنشاء لجنة تنسيق عسكرية مشتركة مع إسرائيل أو إقامة منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني.
وفي ظل استمرار التصعيد، تحث الولايات المتحدة الجانب اللبناني على مواصلة المشاركة في المفاوضات وعدم الانسحاب منها، بهدف الحفاظ على فرص الحلول السياسية ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أكثر اتساعًا.
اليونيفيل أمام اختبار جديد
يتزامن التصعيد الحالي مع اقتراب موعد تجديد تفويض قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، ما يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق مهم يتعلق بمستقبل الوجود الأممي في الجنوب.
وتزداد المخاوف من أن يؤدي أي تراجع في دور القوات الدولية أو حدوث فراغ أمني إلى زيادة احتمالات المواجهة، خاصة في ظل الأوضاع الميدانية المتوترة واستمرار العمليات العسكرية على جانبي الحدود.
مفاوضات واشنطن.. بين الأمل والتشاؤم
تتجه الأنظار إلى الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المقررة يومي 2 و3 يونيو في وزارة الخارجية الأمريكية، وسط تباين واضح في التوقعات بشأن فرص نجاحها.
ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن المفاوضات قد تمثل فرصة حقيقية لخفض التصعيد وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، يعتقد آخرون أن استمرار العمليات العسكرية على الأرض قد يقوض فرص التوصل إلى تفاهمات ملموسة.
ويظل السؤال الأبرز المطروح حاليًا: هل تنجح الدبلوماسية في إيقاف التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة أوسع، أم أن التطورات الميدانية ستفرض واقعًا جديدًا يسبق نتائج المفاوضات؟
لبنان عند مفترق طرق
تقف الساحة اللبنانية اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التحركات السياسية والدبلوماسية في مشهد معقد تتجاوز تداعياته حدود لبنان وحده. فسيطرة إسرائيل على قلعة الشقيف وتوسيع عملياتها البرية في الجنوب لا تبدو مجرد خطوات ميدانية منفصلة، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض معادلات جديدة قبل أي تسوية محتملة.
وفي المقابل، يبقى المدنيون اللبنانيون هم الطرف الأكثر تضررًا من استمرار المواجهات، في ظل النزوح المتزايد والمخاوف المتصاعدة من اتساع رقعة الحرب. وبينما تستعد واشنطن لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات، يبقى مصير الجنوب اللبناني معلقًا بين احتمالات التهدئة ومخاطر التصعيد، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لبنان: المسار الأمني للمفاوضات مع إسرائيل لا ينفصل عن الإطار...
