في قلب صعيد مصر، حيث تتجذر الأصول وتُحفظ الأنساب كأمانة تاريخية تناقلتها الأجيال، تبرز قبيلة "المراونة" كواحدة من أعرق القبائل العربية التي لم تستمد شرعيتها من أوراق حديثة أو توقيعات عابرة، بل من جرد دقيق ومخطوطات تاريخية ومحفوظات موثقة بمصر والوطن العربي. هنا، في حضرة الأصل، يصمت المقلدون وتتحدث الوثائق عن تسلسل ممتد يضرب بجذوره في عمق التاريخ الإسلامي.

الجذور الممتدة: من دمشق إلى صعيد مصر
تعود الأصول التاريخية لقبائل "المراونة" في صعيد مصر إلى أمراء البيت الأموي، وتحديداً من نسل الخليفة مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية. فبعد سقوط الدولة الأموية، هرب أمراء البيت المرواني صوب صعيد مصر، ليتخذوا من جغرافيتها الحصينة ملاذاً آمناً، ويسطروا هناك فصلاً جديداً من المجد، متمسكين بنسبهم الشريف الذي توارثوه جيلاً بعد جيل عبر مشجرات نسَب معتمدة ومخطوطات نادرة.

تحالف المجد: السيف والدولة ضد المماليك
ولم يكن تواجد المراونة في الصعيد مجرد استقرار عابر، بل كان حضوراً سياسياً وعسكرياً فاعلاً. حيث يسجل التاريخ دخولهم في تحالف عسكري قوي مع الأمير أحمد يوسف همام (شيخ العرب همام)، حيث ساهموا بقوة في تكوين الجيش الذي خاض معارك طاحنة للقضاء على نفوذ المماليك في صعيد مصر.
التوزيع الجغرافي: مراكز الثقل في الصعيد
ينتشر أبناء قبيلة المراونة في عدة محافظات بالوجه القبلي، وتتوزع جذورهم جغرافياً على النحو التالي:
محافظة أسيوط:
مركز الثقل الرئيسي للقبيلة، وتحديداً في بلدة "بني محمد المراونة" بمركز أبنوب، بالإضافة إلى فروع أصيلة في قرى: بني رافع (منفلوط)، الكوم الأحمر (أبوتيج)، تندة، دلجا، والأشمونين.
محافظة قنا:
يتمركز المراونة بشكل رئيسي وثقيل في "قرية الخضيرات" التابعة لمركز نجع حمادي، والتي تعد معقلاً بارزاً يضم تفاصيل المخطوطات والجرد الخاص بالعائلة، بجانب مناطق أخرى متفرقة.
محافظة سوهاج:
وتضم أيضاً امتداداً طبيعياً وفروعاً للقبيلة ترتبط بذات النسب والمشجرات، في مختلف محافظات جمهورية مصر العربية، بل وفي عدد من الدول العربية.

وثائق ومحفوظات: المخطط الذي يبدأ وينتهي بالجرد
بينما يرفض أبناء "مراونة الخضيرات" بنجع حمادي شمال محافظة قنا، الاعتماد على مجرد أوراق حديثة أو شهادات شرفية؛ فالتوثيق لديهم يبدأ وينتهي بـ "الجرد" والمخطوطات القديمة التي صنفها باحثون ورحالة زاروا ديارهم ودونوا تاريخهم. وتزخر دور المحفوظات الرسمية في مصر والوطن العربي بمؤلفات ومراجع تاريخية وثقت هجرتهم، ونسبهم الأموي، وتحالفاتهم السياسية، مما يجعل مخططهم الجيني والتاريخي محصناً ضد التشكيك، وشاهداً حياً على مقولة: "في حضرة الأصل.. ينتهي المقلدون".

عرش الأمويين ينتهي في الصعيد.. حكاية قرية «الخضيرات» ونسبها الملكي
من جهته، كشف الباحث و المؤرخ محمد عبدالله سليم المرواني، عن الجذور التاريخية العريقة لقرية "الخضيرات" التابعة لمركز نجع حمادي شمال محافظة قنا، مؤكدا بالوثائق والمستندات نسب مؤسسيها وأول من سكنها إلى الخليفة مروان بن محمد، آخر خلفاء الدولة الأموية 132 هـ.
وأوضح الباحث، أن تاريخ تأسيس القرية يعود إلى عام 1770 ميلادية، عندما استقر بها الفارس والأمير صالح شعلان خضير، وابن أخيه الأمير حسن علي شعلان، عقب قدومهما من معقلهما الأصلي بقرية "بني محمد المراونة" بمركز أبنوب في محافظة أسيوط.

من دمشق إلى قنا.. رحلة الفارين من العباسيين لتأسيس «الخضيرات»
وأشار « المرواني» إلي أن نسب العائلة المؤسسة ينتهي إلى الأمير جامع بن خضير بن طويل بن ياسر بن محمد بن مروان بن محمد، الخليفة الأموي الذي قتل في موقعة "زاوية المصلوب" ببني سويف عقب سقوط الدولة الأموية، ودُفن بقرية "أبوصير الملق" بالواسطى، ل تتخفى أسرته وأولاده بعد ذلك في صعيد مصر هرباً من بطش العباسيين، بينما نزح الجزء الآخر من العائلة إلى السودان والحبشة واليمن وعسير بالمملكة العربية السعودية.

تأسيس القرية والحركة السياسية والعسكرية
وربط الباحث، بين تأسيس القرية والحركة السياسية والعسكرية لشيخ العرب همام بن يوسف، أمير الصعيد وعظيمها؛ حيث تحالف "عرب بني محمد" مع الأمير همام في حربه ضد المماليك بقيادة علي بك الكبير. وشارك الفارس المحارب صالح شعلان وابن أخيه حسن في تلك المعارك التاريخية، وبموجب هذا التحالف العسكري منحهم شيخ العرب همام إقطاعاً زراعياً بمساحة 120 فداناً في منطقة "بهجورة" (تُعرف حالياً بالمساطب والنبقة بجوار السكة الحديد والكنيسة).
وتابع الباحث، عقب انكسار حركة شيخ العرب همام بسبب الخيانة، اعتزل الفارس الإقطاعي صالح شعلان، وابن أخيه حسن في الأرض المجاورة، وأسسا قرية "الخضيرات" التي سُميت باسم جدهما الأكبر "خضير المرواني الأموي القرشي". وقاما بتشييد أول مسجد بالقرية وأمامه "الديوان الكبير" لإدارة شؤون القبيلة، واستقدما عائلاتهما من أسيوط لتعمير القرية التي يقطنها أحفادهم حتى يومنا هذا، حاملين إرثاً تاريخياً يمتد لقرون.
