بريق يرفض الانطفاء.. كيف كانت «صنعة التبييض» عصب البيت المصري قبل قرن من الزمان؟

لم يكن النحاس في وجدان العائلات المصرية مجرد معدن تُصنع منه أدوات المطبخ، بل كان رمزًا للوجاهة الاجتماعية، وعصبًا لا ينفصل عن تفاصيل الحياة اليومية، وضمانة أساسية لمستقبل الفتيات المقبلات على الزواج.


من قلب شارع المعز لدين الله الفاطمي، وتحديدًا من داخل «سوق النحاسين» الأثري، نعيد إحياء مشهد حي يعود إلى عام 1918، حيث كانت أصوات دقات المطارق تتمازج مع حكايات الصبر والكفاح.


«الشَّوَار» لا يكتمل بدونه.. النحاس سيد غرف النوم والمطابخ


في تلك الحقبة، كان جهاز العروسة (المعروف شعبيًا بالشَّوَار) يُقاس بوزن النحاس وقيمته. لم يكن مسموحًا لأي بيت أن يخلو من القطع النحاسية الأساسية التي تشهد على جودة التأسيس:

السرير النحاسي: بأعمدته الشاهقة وزخارفه اللامعة، ليكون سيد غرفة النوم.

أواني الطهي: من «الحلل» الضخمة، و«الطشت» المخصص للغسيل، و«الهون» المتين.

أدوات الضيافة: وتشمل «البريق» لإعداد الشاي، و«الصواني» الكبيرة لتقديم الطعام للمهنئين.

«مبيض النحاس».. رقصة الأقدام وسط ألسنة اللهب

بسبب تعرض النحاس للأكسدة وتغير لونه بمرور الوقت، ظهرت مهنة «تبييض النحاس» كواحدة من أهم المهن الحرفية التي حظيت بمكانة رفيعة في الأحياء الشعبية.

وتكشف شهادات حية من ذاكرة ذلك العصر عن طقوس فريدة كان يتبعها الحرفيون في جلي الأواني وإعادتها إلى لونها البراق:

سر «نوى البلح»: كان الحرفيون يحمصون نوى البلح بعناية شديدة ثم يطحنونه ناعمًا لاستخدامه كمادة كاشطة وملمعة أساسية.

الحركة الإيقاعية: كان «المبيض» يقف في منتصف الإناء (الحلة)، ويقوم بحركة دائرية بجسده مستخدمًا أرجلهم يميناً وشمالاً مع الرمل والمواد المنظفة، في مشهد يشبه الرقص الإيقاعي، حتى تذوب الأوساخ تمامًا.


النار والقصدير: بعد التنظيف، تُعرض الأواني على لهب النار وتُطلى بطبقة خفيفة من القصدير النقي لمنع تفاعل النحاس مع الأطعمة.


رحلة الجلي.. يوم عائلي في انتظار البريق

كانت عملية تبييض نحاس البيت تمثل حدثًا عائليًا تترقبه الأمهات والأطفال. فكانت العائلات تقضي ساعات طوال في ورش النحاسين، يراقبون بشغف تحول الأواني الداكنة والمطفأة إلى قطع فنية تلمع ك الذهب تحت أشعة الشمس، في تجسيد حي لزمن اتسم بالبساطة والاتقان.


واليوم، ورغم تراجع استخدام النحاس أمام الألومنيوم والبلاستيك، يظل «سوق النحاسين» بشارع المعز شاهدًا على تاريخ ممتد، وتظل تلك القطع القديمة تحفًا تزين المنازل، وتفوح برائحة أصالة لا تغيب.