لم يكن تنظيم كأس العالم 2026 مجرد حدث رياضي استمر لأسابيع قليلة، بل كان مشروعًا اقتصاديًا امتد لسنوات، احتاج إلى استثمارات ضخمة وتجهيزات معقدة قبل أن تستقبل الولايات المتحدة ملايين الجماهير من مختلف أنحاء العالم، وبعد إسدال الستار على البطولة، برز سؤال مهم بين الاقتصاديين وعشاق كرة القدم على حد سواء: هل نجحت أمريكا في استرداد ما أنفقته على استضافة المونديال؟

هل استردت أمريكا ما أنفقته على كأس العالم؟.. مقارنة بين المصروفات والعوائد

قبل انطلاق البطولة، وجهت الولايات المتحدة مليارات الدولارات إلى الاستعدادات، لكن طبيعة هذا الإنفاق اختلفت عن نسخ سابقة من كأس العالم، فلم تلجأ إلى بناء ملاعب جديدة بتكاليف هائلة، بل اعتمدت على تطوير منشآت رياضية قائمة بالفعل، إلى جانب تحديث البنية التحتية، وتحسين شبكات النقل، وتعزيز الخدمات اللوجستية، فيما خصصت الحكومة الفيدرالية نحو 625 مليون دولار لدعم الجهود الأمنية الخاصة بالبطولة.

كما استثمرت المدن المستضيفة مبالغ كبيرة في تجهيز المناطق المحيطة بالملاعب، وتطوير وسائل النقل العام، وتوسعة الخدمات السياحية، بينما ضخ القطاع الخاص استثمارات إضافية في الفنادق والمطاعم ومراكز الترفيه، استعدادًا لاستقبال التدفق الكبير للجماهير.

في المقابل، بدأت العوائد الاقتصادية في الظهور مع انطلاق المنافسات، حيث شهدت المدن المستضيفة نشاطًا تجاريًا وسياحيًا واسعًا، وامتلأت الفنادق، وارتفعت معدلات الإشغال، كما سجلت المطاعم والمتاجر وشركات النقل والطيران زيادة ملحوظة في الإيرادات بفضل ملايين الزوار.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن البطولة أضافت أكثر من 17 مليار دولار إلى الناتج المحلي الأمريكي، بينما تجاوز إجمالي النشاط الاقتصادي المرتبط بها 40 مليار دولار، إلى جانب توفير أكثر من 185 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، في قطاعات السياحة، والضيافة، والنقل، والتجارة، والخدمات.

لكن هل تعني هذه الأرقام أن الولايات المتحدة استعادت كل ما أنفقته؟

الإجابة ليست بهذه البساطة، لأن جزءًا كبيرًا من هذه العوائد لا يدخل مباشرة إلى خزينة الحكومة، بل يذهب إلى الشركات الخاصة، والفنادق، والمطاعم، وشركات الطيران، والقطاع التجاري، في حين تتحمل الحكومات المحلية والولايات جانبًا كبيرًا من تكاليف الأمن والخدمات العامة.

كما أن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" يحتفظ بمعظم الإيرادات المباشرة للبطولة، مثل حقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية العالمية، وبيع التذاكر، وهي مصادر دخل تقدر بمليارات الدولارات، ما يعني أن الدولة المستضيفة لا تحصل على النصيب الأكبر من الإيرادات النقدية المباشرة.

في المقابل، يرى خبراء الاقتصاد أن تقييم نجاح الاستضافة لا يعتمد فقط على الأموال التي عادت خلال البطولة، بل يشمل أيضًا المكاسب طويلة الأجل، فقد أسهمت الاستثمارات في تحسين البنية التحتية، وتعزيز مكانة المدن الأمريكية كوجهات سياحية ورياضية، وفتح المجال أمام استضافة أحداث عالمية جديدة، وهو ما قد يحقق عوائد تمتد لسنوات.

وتشير تجارب البطولات الكبرى إلى أن الأثر الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بعد أسابيع من انتهاء المنافسات، وإنما بعد عدة سنوات، عندما تظهر نتائج زيادة السياحة، واستمرار استخدام المنشآت، وجذب الاستثمارات، وتحسن النشاط التجاري في المدن التي استضافت الحدث.

وبالنظر إلى الصورة الكاملة، يمكن القول إن الولايات المتحدة نجحت في تحقيق عوائد اقتصادية ضخمة من كأس العالم 2026، إلا أن الحديث عن استرداد كل دولار تم إنفاقه يظل أمرًا معقدًا، لأن المكاسب توزعت بين الحكومة والقطاع الخاص والمدن المستضيفة، بينما ذهبت الإيرادات المباشرة الأكبر إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وفي النهاية، يبدو أن الرهان الأمريكي لم يكن قائمًا على تحقيق أرباح فورية فقط، بل على استثمار طويل الأجل يعزز الاقتصاد والسياحة والبنية التحتية، وهو ما قد يجعل الإجابة الحقيقية عن سؤال "هل استردت أمريكا ما أنفقته؟" تتضح بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة، وليس بمجرد انتهاء البطولة.