تتجه الأنظار مجددًا إلى جنوب قطاع غزة، بعدما كشفت تقارير عن توجه يقوده مجلس السلام برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنشاء منطقة "نموذجية" في مدينة رفح، تستوعب عشرات الآلاف من الفلسطينيين داخل نطاق يخضع بالكامل لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي. ويأتي المقترح في وقت تتعثر فيه جهود إعادة إعمار القطاع، وتتوقف المفاوضات السياسية عند ملفات معقدة، أبرزها مستقبل سلاح حركة حماس وآلية إدارة غزة بعد الحرب.
ورغم تقديم المشروع باعتباره خطوة إنسانية تمهد لإعادة الإعمار واستعادة الحياة المدنية، فإنه يثير موجة واسعة من المخاوف، وسط تحذيرات من أن يتحول إلى أداة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، تكرس تقسيم القطاع وتغير واقعه الديموغرافي والجغرافي.
منطقة نموذجية في قلب رفح
بحسب ما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز"، يعتزم مجلس السلام إنشاء ما يصفه بـ"منطقة إنسانية ومنطقة للحكم" في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، على أن تستقبل في مرحلتها الأولى عشرات الآلاف من الفلسطينيين، داخل منطقة تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة.
وتقوم الفكرة على نقل المدنيين الذين يتم تدقيق بياناتهم إلى منطقة جديدة، تتولى إدارتها، وفق الطرح الأمريكي، كوادر فلسطينية من التكنوقراط، بينما تتولى قوة دولية مقترحة مسؤولية الأمن، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي.
ويأتي هذا المشروع بعد أشهر من تعثر المبادرة الأمريكية لإعادة إعمار غزة، والتي لم تنجح في الحصول على التمويل الدولي الموعود أو استكمال هياكلها التنفيذية.
تعثر مسار إعادة الإعمار
لا ينفصل المشروع الجديد عن الأزمة السياسية التي تعرقل مستقبل القطاع منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. فقد توقفت جهود إعادة الإعمار عند خلافات جوهرية، في مقدمتها رفض حركة حماس نزع سلاحها كشرط مسبق، إلى جانب عدم تشكيل الإدارة المدنية الفلسطينية التي كان مخططًا أن تتولى إدارة القطاع.
كما لم تدخل مليارات الدولارات التي تعهد بها المجتمع الدولي حيز التنفيذ، فيما لا تزال قوة الاستقرار الدولية المقترحة غير مكتملة، الأمر الذي دفع مجلس السلام إلى البحث عن خطوات جزئية يمكن تنفيذها بعيدًا عن التسوية الشاملة.
انتقادات وتحذيرات من تكريس التقسيم
يرى مراقبون أن المشروع يتجاوز البعد الإنساني، ليؤسس لواقع سياسي وأمني جديد داخل غزة.
وقال أمجد عراقي، المحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية، إن إقامة مناطق منفصلة تحت إشراف أمني إسرائيلي قد تؤدي إلى تكريس تقسيم القطاع، معتبرًا أن المشروع يمثل محاولة أمريكية إسرائيلية لفرض ترتيبات جديدة على الأرض وإعادة تشكيل غزة وفق رؤية سياسية وأمنية محددة.
وتتقاطع هذه المخاوف مع مواقف الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الإنسانية، التي سبق أن رفضت إنشاء مناطق إنسانية مغلقة تخضع لإشراف عسكري، معتبرة أن مثل هذه الخطط قد تنتهك حقوق المدنيين وتحد من حرية تنقلهم.
إسرائيل تعزز سيطرتها الميدانية
يتزامن الإعلان عن المشروع مع استمرار إسرائيل في توسيع نطاق سيطرتها العسكرية داخل القطاع. وتشير التقديرات إلى أن قوات الاحتلال تسيطر حاليًا على أكثر من نصف مساحة غزة، بعدما وسعت انتشارها خلال الأشهر الماضية.
وفي مايو الماضي، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليمات برفع مساحة السيطرة العسكرية إلى نحو 70% من القطاع، بالتوازي مع عمليات تجريف واسعة للأحياء السكنية، وإنشاء ساتر ترابي يمتد على طول ما يعرف بالخط الأصفر، الذي يقسم غزة إلى قسمين.
ويقول سكان في منطقة المواصي إن الجيش الإسرائيلي بدأ خلال الأيام الماضية بحفر خنادق وإنشاء سواتر ترابية ضخمة، في خطوة يراها كثيرون تمهيدًا لترسيخ واقع جغرافي جديد يصعب تغييره مستقبلًا.
هواجس التهجير القسري
ورغم تأكيد مجلس السلام أن الانتقال إلى المنطقة المقترحة سيكون طوعيًا، فإن الفلسطينيين ينظرون إلى المشروع بحذر شديد.
فمنذ سيطرة الجيش الإسرائيلي على محافظة رفح في مايو 2024، تعرضت المدينة لعمليات تدمير واسعة أدت إلى إخلاء معظم سكانها، بينما تتحدث تقارير عن وجود تشكيلات محلية مسلحة تعمل بدعم إسرائيلي داخل المنطقة.
ويحذر محللون من أن تتحول المنطقة الجديدة إلى مركز تجميع للسكان يمهد، على المدى البعيد، لعمليات تهجير أو إعادة توزيع ديموغرافي، خاصة في ظل غياب ضمانات دولية ملزمة تكفل حرية السكان في البقاء أو العودة إلى مناطقهم الأصلية.
مستقبل غامض لقوة الاستقرار الدولية
يعول مجلس السلام على قوة الاستقرار الدولية لتوفير الأمن داخل المنطقة المقترحة، إلا أن هذه القوة لا تزال في طور التشكيل.
وأعلن المجلس انضمام المغرب رسميًا إلى القوة، مع وصول ضباط مغاربة إلى مقر القيادة، كما انضم عناصر من كوسوفو خلال الفترة الأخيرة، في إطار استكمال قوام القوة متعددة الجنسيات.
لكن منتقدين يشككون في قدرة هذه القوة على أداء دورها، مؤكدين أن الجيش الإسرائيلي سيظل صاحب القرار الفعلي باعتباره المسيطر على الحدود والمجال العسكري وحركة الدخول والخروج، وهو ما يحد من استقلالية أي قوة دولية تعمل داخل القطاع.
استمرار العمليات العسكرية
في الوقت الذي تُطرح فيه هذه المبادرات، لا تزال العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة داخل غزة، حيث تتواصل الغارات الجوية التي تقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر مسلحة.
وبحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، أسفرت الهجمات منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ عن مقتل أكثر من ألف فلسطيني، بينهم أكثر من 250 طفلًا حتى يونيو الماضي، وهو ما يعكس هشاشة الهدنة واستمرار التوتر الأمني في القطاع.
بين الإعمار وإعادة رسم الخريطة
تكشف خطة إنشاء المنطقة النموذجية في رفح عن تحول في المقاربة الأمريكية تجاه إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، عبر التركيز على مشاريع محدودة يمكن تنفيذها ميدانيًا، حتى في ظل غياب اتفاق سياسي شامل.
غير أن نجاح هذه الخطة سيظل مرهونًا بقدرتها على طمأنة الفلسطينيين والمجتمع الدولي بأنها لن تتحول إلى وسيلة لتكريس الاحتلال أو فرض واقع جغرافي وسياسي جديد. وبينما ترى واشنطن أنها تمثل بداية لإعادة الإعمار، يخشى كثيرون أن تكون خطوة إضافية في مسار إعادة رسم خريطة قطاع غزة ومستقبله السياسي.
اعتراض صواريخ إيرانية فوق العقبة.. هل دخل الأردن دائرة التصعي...
