قال اللواء دكتور محمد دسوقي الخبير في الأمن القومي، أننا في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا للأخبار قبل أن تكون وسيلة لنقلها، لم يعد التحدي الحقيقي في مواجهة الأزمات هو الحادث ذاته، وإنما في إدارة تدفق المعلومات المحيطة به. وهذا ما كشفه بوضوح حادث ميناء دمياط خلال الساعات الماضية، والذي تحول من حادث قيد التحقيق إلى ساحة مفتوحة للتأويلات والتكهنات، قبل أن تضع البيانات الرسمية الصورة في إطارها الصحيح.

انطلاق عشرات الروايات منذ وقوع الحادث وتعددت التفسيرات

وأضاف اللواء دكتور محمد دسوقي في تصريح خاص لــ"خمسة سياسة"، منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحريق، انطلقت عشرات الروايات، وتعددت التفسيرات، وبدأ البعض في إصدار الأحكام قبل أن تبدأ الجهات المختصة عملها. وبينما كان رجال الحماية المدنية والجهات الفنية يعملون على احتواء الموقف وتأمين المنشآت وحماية الأرواح، كانت منصات التواصل الاجتماعي تعيش سباقًا آخر، عنوانه: من ينشر الرواية أولًا، لا من يقدم الحقيقة أولًا.

بيان وزارة البترول حول حادث دمياط 

وتابع "دسوقي"، وهنا جاء بيان وزارة البترول مساء أمس منسجمًا مع أبجديات إدارة الأزمات. فالوزارة لم تنجر إلى إطلاق فرضيات أو تبني روايات غير مؤكدة، وإنما أعلنت ما هو ثابت ومؤكد: السيطرة على الحريق، وتأمين الموقع، وعدم وقوع خسائر بشرية، ومتابعة الموقف لحظة بلحظة، مع ترك تحديد أسباب الحادث للجهات الفنية والتحقيقية المختصة.

الدول التي تحترم مؤسساتها لا تُبنى البيانات الرسمية على التخمين

وأوضح "دسوقي"، ربما لم يدرك البعض أن هذا النهج ليس تحفظًا في المعلومات، بل هو احترام للحقيقة. ففي الدول التي تحترم مؤسساتها، لا تُبنى البيانات الرسمية على التخمين، وإنما على الأدلة والنتائج الفنية، حتى وإن تأخر الإعلان ساعات أو أيام.

تسليظ الضوء علي بيان مجلس الوزراء حول حادث دمياط

واستطرد الخبير في الأمن القومي، جاء بيان مجلس الوزراء اليوم ليؤكد هذه القاعدة، إذ أوضح أن التحقيقات الأولية انتهت إلى أن الحادث نجم عن طائرة مسيّرة، مع التشديد على أن التحقيقات ما زالت مستمرة، وأنه لم تُعلن حتى الآن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة. وهنا يتضح أن البيانين لا يتناقضان، بل يمثل كل منهما مرحلة مختلفة من إدارة الأزمة؛ الأول تعامل مع الحدث أثناء وقوعه، والثاني أعلن ما توصلت إليه التحقيقات الأولية بعد انتهاء الفحص الفني.

الواقع يؤكد أن التحقيقات تحتاج إلى وقت.

وأكد "دسوقي"، أن أخطر ما أفرزه الحادث ليس فقط ما وقع في ميناء دمياط، وإنما الطريقة التي يتعامل بها جزء من الرأي العام مع المعلومات. فالبعض يطالب ببيانات فورية تتضمن كل التفاصيل، بينما الواقع يؤكد أن التحقيقات تحتاج إلى وقت، وأن الإفصاح عن معلومات غير مكتملة قد يكون أكثر ضررًا من تأخير الإعلان عنها.

الحادث يسلط الضوء على تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجه الدول

وشدد اللواء دكتور محمد دسوقي، أن الحادث يسلط الضوء على تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجه الدول. فلم تعد المخاطر تقتصر على الحروب التقليدية أو العمليات التخريبية المعروفة، بل أصبحت الطائرات المسيّرة تمثل أحد أبرز أدوات الصراعات الحديثة، لما تتميز به من صعوبة الرصد، وانخفاض التكلفة، والقدرة على استهداف منشآت حيوية بدقة عالية. ولذلك فإن حماية الموانئ ومنشآت الطاقة والبنية التحتية أصبحت تتطلب تطويرًا مستمرًا لمنظومات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي قصير المدى، والتكامل بين المؤسسات الأمنية والفنية.

السيطرة علي الحريق وقت وقوته 

ونوه "دسوقي"، من الإنصاف أيضًا الإشارة إلى أن ما جرى أثبت جاهزية أجهزة الدولة في التعامل مع الطوارئ. فالسيطرة السريعة على الحريق، وعدم وقوع خسائر في الأرواح، واستمرار العمل بالميناء، كلها مؤشرات على وجود خطط استجابة فعالة حالت دون تحول الحادث إلى كارثة أكبر.

الدرس الأهم يظل أن إدارة الأزمات في العصر الحديث لم تعد تقتصر على سيارات الإطفاء أو فرق الإنقاذ

وأكد "دسوقي"، أن الدرس الأهم يظل أن إدارة الأزمات في العصر الحديث لم تعد تقتصر على سيارات الإطفاء أو فرق الإنقاذ، بل أصبحت تشمل أيضًا إدارة المعلومة. فالشائعة التي تنتشر في دقائق قد تُحدث من الارتباك ما يفوق آثار الحادث نفسه، بينما تبقى المعلومة الرسمية الدقيقة، وإن تأخرت قليلًا، هي الضمان الحقيقي للحفاظ على ثقة المجتمع واستقرار الدولة.

ما حدث في دمياط يذكرنا بأن الدولة لا تُقاس بسرعة إصدار البيانات فقط

وأشار الخبير في الأمن القومي، إلي أن ما حدث في دمياط يذكرنا بأن الدولة لا تُقاس بسرعة إصدار البيانات فقط، وإنما بمدى دقتها ومسؤوليتها. فالبيان الذي يصدر بعد التحقق من المعلومات أقوى من عشرات الروايات المتداولة، والحقيقة التي تستند إلى الأدلة أكثر بقاءً من أي خبر عاجل يصنعه الانفعال.

القضايا التي تمس الأمن القومي والمنشآت الاستراتيجية ينبغي أن يكون الرهان دائمًا على الحقائق

واختتم اللواء دكتور محمد دسوقي، تصريحه مؤكدًا أن القضايا التي تمس الأمن القومي والمنشآت الاستراتيجية، ينبغي أن يكون الرهان دائمًا على الحقائق، لا على التوقعات، وعلى المؤسسات، لا على الشائعات. فالأزمات تنتهي، لكن الثقة في مؤسسات الدولة هي التي تبقى، وهي الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها قدرة أي دولة على مواجهة التحديات وح ماية أمنها واستقرارها.