يعيش المصريون، كغيرهم من شعوب العالم، لحظة فارقة في علاقتهم بالمعلومة؛ فلم تعد الحقيقة تُستقى من مصدر واحد يُعتد به، بل باتت ساحة تنافس مفتوحة بين رواية رسمية بطيئة الإيقاع وموثقة الشكل، وموجات التريند المتسارعة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي دون انتظار تأكيد أو تحقق. وبين الطرفين يقف المواطن العادي، حائرًا بين تريند يجتاح هاتفه في ثوانٍ، وبيان رسمي قد يستغرق ساعات ليصدر. هذه الحيرة لم تعد شعورًا عابرًا، بل تحولت في مصر إلى ظاهرة تُرصد وتُقاس وتُدرس رسميًا، وتكشف عن معركة حقيقية على تعريف "الحقيقة" نفسها في عصر لم يعد فيه الفيديو دليلًا قاطعًا ولا الصوت شهادة موثوقة.

تريند التضليل.. لماذا تتضاعف الشائعات مع كل أزمة إقليمية؟

تكشف بيانات رسمية حديثة عن حجم المعركة الفعلي بين الرواية الرسمية والمحتوى المتداول. فقد أظهر تقرير صادر عن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ارتفاعًا في معدلات الشائعات المرصودة خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة تجاوزت المئة بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مع تصدّر قطاعات الاقتصاد والطاقة والتموين قائمة أكثر المجالات استهدافًا بالتضليل، تليها قطاعات السياحة والطيران والصحة والإسكان. واللافت أن نسبة الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية قفزت من نحو خُمس إجمالي الشائعات إلى أكثر من نصفها خلال عام واحد فقط، وهو ما يعكس ارتباطًا وثيقًا بين حالة عدم اليقين الإقليمي وتصاعد المحتوى المضلل داخليًا. ومن أبرز الأمثلة التي جرى رصدها وتفنيدها، فيديوهات زعمت اعتزام الحكومة بيع أصول لسداد ديون خارجية، وأخرى ادّعت وجود أزمة طاقة ناجمة عن التوترات الإقليمية، إضافة إلى مزاعم حول تخفيف أحمال كهربائية لساعات يومية على مستوى الجمهورية.

هذه الأرقام، رغم صدورها عن جهة رسمية معنية بمواجهة الشائعات، تحمل في طياتها اعترافًا ضمنيًا بأن المعركة ليست في صالح الرواية الرسمية تلقائيًا؛ فالسرعة التي تنتشر بها المزاعم غير الدقيقة تفوق في الغالب سرعة الرد والتوضيح، ما يجعل "الحقيقة الرسمية" تصل غالبًا بعد أن تكون "الحقيقة البديلة" قد استقرت في وعي شريحة واسعة من الجمهور.

من أين تبدأ القصة؟ الفضاء الرقمي كنقطة انطلاق لا كتابع

من المفارقات اللافتة التي كشفتها دراسات متخصصة، أن الغالبية العظمى من الوقائع التي تتعامل معها الجهات الرسمية لا تبدأ من بلاغات تقليدية، بل من محتوى متداول على منصات التواصل الاجتماعي بدرجة أولى، في مقابل نسبة محدودة جدًا تبدأ من بلاغات رسمية مباشرة. هذا المعطى يقلب الصورة التقليدية عن العلاقة بين الإعلام الرسمي والفضاء الرقمي؛ فلم يعد الأخير مجرد صدى أو ناقل ثانوي لما تُعلنه الجهات الرسمية، بل تحوّل إلى نقطة الانطلاق الأولى التي تُحدد أجندة النقاش العام، بينما تجد المؤسسات الرسمية نفسها في موقع رد الفعل لا المبادرة.

هذا التحول له انعكاسات مباشرة على طريقة صناعة الأخبار والمحتوى السياسي والاقتصادي في مصر؛ إذ باتت غرف الأخبار ومراكز صناعة القرار مطالَبة بمتابعة النبض الرقمي لحظة بلحظة، ليس فقط لرصد الشائعات، بل لفهم أي القضايا تتصدر اهتمام الجمهور فعليًا، بصرف النظر عن ترتيب الأولويات في الأجندة الرسمية.

التزييف العميق: حين يصبح الفيديو نفسه موضع شك

إذا كانت مسألة الثقة بين المصدر الرسمي والمتداول رقميًا قديمة نسبيًا، فإن الجديد اليوم هو دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي على خط المعركة، وتحديدًا تقنية "التزييف العميق" التي جعلت الصورة والصوت والفيديو، وهي أدوات الإثبات التقليدية بامتياز، عرضة للتشكيك بذاتها. فقد بات ممكنًا تصنيع مشاهد كاملة لم تقع أصلًا، بدقة تُربك العين والعقل معًا، وتكفي ثوانٍ معدودة من صوت أي شخص لتدريب نموذج يحاكي نبرته ولهجته بدقة عالية. ولم يعد الخطر نظريًا أو مقتصرًا على المختبرات البحثية، بل تحوّل إلى واقع يومي يطال الأخبار العاجلة والأسواق المالية وسمعة الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

وقد شهدت مصر مؤخرًا نموذجًا دالًا على هذه الإشكالية، حين انتشرت على نطاق واسع منشورات تزعم وجود "تنبؤ مسبق" بوقوع زلزال استند إلى بيانات عن الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للأرض، لتلقى رواجًا كبيرًا عقب وقوع الهزة الأرضية فعليًا، قبل أن تصدر جهات علمية متخصصة ردًا يوضح عدم صحة هذا الادعاء من الناحية العلمية. هذا المثال يختصر جوهر الإشكالية: خلط متعمد أو غير مقصود بين معطيات تقنية حقيقية الشكل وخلاصات غير مثبتة، في بيئة رقمية تكافئ الانتشار السريع أكثر مما تكافئ الدقة.

لماذا يميل الجمهور إلى تصديق "الترند"؟

لا يمكن اختزال إقبال الجمهور على المحتوى المتداول رقميًا في تفسير واحد؛ فهناك عوامل بنيوية تجعل "الترند" أكثر إغراءً من البيان الرسمي في كثير من الأحيان. أولها عامل السرعة؛ إذ يصل المحتوى الرقمي إلى الجمهور في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث أو حتى قبله، بينما تحتاج القنوات الرسمية إلى وقت للتحقق والصياغة والاعتماد. وثانيها عامل الشكل؛ فالمحتوى المتداول غالبًا ما يكون مصحوبًا بمرئيات وأرقام وتفاصيل "تبدو" تقنية ومقنعة، حتى لو كانت غير دقيقة أو مجتزأة من سياقها. أما العامل الثالث فهو تراكمي ونفسي بامتياز؛ إذ تسهم فجوات الثقة السابقة، أو تأخر بعض الجهات في الرد على قضايا مسّت حياة الناس اليومية، في خلق أرضية خصبة لتصديق أي رواية بديلة، حتى قبل التحقق منها.

في المقابل، لا يعني هذا أن البيانات الرسمية معصومة من الخطأ أو التوظيف، فقد شهدت أزمات سابقة تباينًا بين الأرقام الرسمية وواقع مُعاش لدى شرائح من المواطنين، وهو ما يغذّي بدوره حالة الشك المتبادلة. المعادلة إذن ليست بين "حقيقة رسمية" و"كذبة رقمية" بالضرورة، بل بين مصدرين لكل منهما نقاط قوته وثغراته، ومنسوب متفاوت من المصداقية يتغيّر بحسب الملف والسياق والجهة.

الرقابة كاستجابة: هل تكفي المواجهة الأمنية والإعلامية؟

في ظل هذا المشهد، تتجه الدولة المصرية نحو تشديد آليات الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي، في أعقاب اجتماعات رفيعة المستوى عُقدت عقب صدور تقارير رسمية حول تصاعد معدلات الشائعات. ويأتي هذا التوجه في وقت باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار لدى قطاعات واسعة من المصريين، بالتوازي مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي جعلت إنتاج المحتوى المزيف أكثر سهولة وإقناعًا من أي وقت مضى.

غير أن الاعتماد على المواجهة الأمنية والرقابية وحدها، وإن كان ضروريًا لكبح أخطر أشكال التضليل، يظل قاصرًا عن معالجة جذر المشكلة إن لم يقترن باستراتيجية موازية لبناء الثقة؛ عبر سرعة الاستجابة الرسمية، وشفافية الإفصاح عن البيانات، وانفتاح المؤسسات على تفسير قراراتها بلغة يفهمها المواطن العادي، بدلًا من الاكتفاء بتفنيد الشائعات بعد انتشارها واستقرارها في الوعي الجمعي.

الحقيقة مسؤولية مشتركة لا معركة أطراف

ما تكشفه هذه المعطيا مجتمعة هو أن السؤال المطروح في العنوان ليس "من نصدق"، بل "كيف نتحقق". فلا الرواية الرسمية تُعفى تلقائيًا من واجب الإثبات والشفافية والسرعة، ولا المحتوى المتداول رقميًا يستحق ثقة عمياء لمجرد انتشاره الواسع أو شكله المقنع. في زمن يمكن فيه تصنيع فيديو كامل لحدث لم يقع، تصبح "الحقيقة" أقرب إلى عملية تحقق مستمرة منها إلى معطى جاهز يُستهلك بلا تدقيق. وبين مؤسسة رسمية مطالَبة بأن تكون أسرع وأكثر شفافية، وجمهور مطالَب بأن يكون أكثر تريثًا ووعيًا رقميًا، تبقى صناعة الحقيقة في عصر التريند مسؤولية مشتركة، لا معركة يخسر فيها طرف لصالح آخر، بل اختبارًا حقيقيًا لمناعة المجتمع كله أمام التضليل، من أي جهة أتى.