على وقع موجة التصعيد الحوثي المتزايدة في الداخل اليمني، تتجه ميليشيا الحوثي إلى إعادة تطوير منظومة تهديداتها البحرية وتنظيم آليات إدارتها، في محاولة للانتقال من تنفيذ عمليات متقطعة ضد الملاحة الدولية إلى بناء منظومة ضغط أكثر استدامة، بالتزامن مع تنامي الدور الإيراني في إدارة هذا الملف وتوجيه مساراته.

وتكشف هذه التحركات عن توجه حوثي لإعادة ترتيب مراكز القرار المرتبطة بالنشاط البحري، بما يتجاوز الإطار العسكري التقليدي، ويفتح المجال أمام مشاركة أوسع للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، في ظل وجود خبراء وضباط تابعين للحرس الثوري الإيراني في مناطق سيطرة الميليشيا شمال وغرب اليمن.

إعادة هيكلة القرار البحري الحوثي

كشفت مصادر أمنية رفيعة في الحكومة اليمنية عن تحركات حوثية لإعادة هيكلة منظومة القرار البحري، من خلال توسيع دائرة الجهات المشاركة في إدارة النشاط العسكري الخارجي المرتبط بالعمليات البحرية.

وبحسب المصادر، لم يعد القرار مقتصرًا على الجهات ذات الطابع العسكري البحري، وإنما امتد ليشمل جهاز الأمن والمخابرات، وجهاز الاستخبارات العسكرية، إلى جانب أجهزة أمنية ودفاعية أخرى، فضلاً عن قيادات مرتبطة بالقدرات العسكرية الاستراتيجية والعمليات الساحلية.

وترى المصادر أن هذا التغيير يعكس رغبة لدى الحوثيين في بناء منظومة أكثر تكاملاً لإدارة العمليات والتهديدات البحرية، بما يسمح بربط المعلومات الأمنية والاستخباراتية بالقدرات العسكرية المنتشرة على الساحل الغربي.

مركز عمليات في صنعاء لمراقبة حركة الملاحة

وتزامنت عملية إعادة الهيكلة، وفقًا للمصادر، مع إرساء آليات أكثر تنظيمًا لمتابعة حركة الملاحة، بالتعاون مع خبراء إيرانيين، من خلال توسيع نطاق المهام الموكلة إلى مركز العمليات البحرية في صنعاء.

وتشمل هذه المهام جمع البيانات المتعلقة بالسفن وشركات الشحن وتصنيفها، ومتابعة الاتصالات المرتبطة بحركة المرور في البحر الأحمر، إلى جانب إدارة التحذيرات والمعلومات المتعلقة بالملاحة.

كما دخلت عناصر المراقبة والاتصال والتصنيف الأمني وإدارة المعلومات ضمن دائرة القرار البحري، بما يمنح الميليشيا قدرة أكبر على متابعة حركة السفن وتحديد أهدافها المحتملة وبناء قاعدة معلومات مرتبطة بالنشاط الملاحي في المنطقة.

وبحسب المصادر، تستهدف هذه الإجراءات إضفاء قدر أكبر من التنظيم على إدارة القيود التي تفرضها الميليشيا على الملاحة الدولية، بما يسمح باستمرار التهديدات وتوسيع نطاق تأثيرها، بدلًا من الاعتماد على هجمات متفرقة أو بيانات تحذيرية متقطعة.

من التهديدات المتفرقة إلى الضغط البحري المستمر

وتشير المعطيات إلى أن الحوثيين يسعون إلى الانتقال بالضغط البحري إلى مستوى أكثر انتظامًا، بحيث يصبح التهديد الملاحي أداة مستمرة ضمن صراع إقليمي أوسع.

وبدأت مؤشرات هذا النهج في الظهور مع إعلان الحوثيين في يوليو الماضي فرض حظر على السفن المرتبطة بدول الجوار، قبل أن تنتقل الميليشيا إلى تنفيذ هجمات فعلية استهدفت سفنًا تجارية في البحر الأحمر.

وأعاد هذا التصعيد المخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية إلى الواجهة، ودفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بعبور أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

الساحل الغربي.. مسرح جديد للتصعيد

ويتزامن التحرك الحوثي مع تصعيد ميداني على امتداد الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك مناطق الخوخة جنوبي الحديدة، والمخا وذوباب جنوب غربي تعز، وهي مناطق تقع تحت نفوذ القوات الحكومية وتكتسب أهمية استراتيجية بسبب ارتباطها المباشر بالممر المؤدي إلى مضيق باب المندب.

وقبل أسابيع، فشل الحوثيون في تنفيذ أول هجوم بحري استهدف جزيرة «زُقر»، إحدى كبرى جزر اليمن في البحر الأحمر، في محاولة وصفتها مصادر عسكرية بأنها كانت بمثابة اختبار لجاهزية القوات الحكومية، وكذلك تقييم أنماط انتشارها داخل الجزيرة.

ويرى خبراء أن هذه التطورات تعكس تعامل الحوثيين مع الساحل الغربي باعتباره مسرحًا بحريًا متصلًا، يمكن من خلاله توزيع أدواتهم وقدراتهم على امتداد المناطق اليمنية المطلة على البحر الأحمر، بما يقلل من اعتمادهم على مواقع محددة في إدارة عملياتهم وتهديداتهم البحرية.

استراتيجية تمتد من هرمز إلى باب المندب

وفق هذا المنظور، يسعى الحوثيون إلى توسيع نطاق نفوذهم على امتداد الضفة الشرقية للبحر الأحمر، بما قد يمهد لتموضع بحري أكثر ترابطًا، ويتقاطع مع الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى توسيع نطاق أدوات الضغط والاضطراب البحري في المنطقة، من مضيق هرمز إلى باب المندب.

ويمنح الموقع الجغرافي للساحل اليمني المطل على البحر الأحمر أهمية استثنائية لهذا التوجه، خاصة في ظل ارتباط باب المندب بحركة التجارة العالمية وخطوط الملاحة التي تصل بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.

إعادة توزيع القدرات العسكرية بعيدًا عن الساحل

وفي السياق ذاته، قالت مصادر عسكرية في القوات المشتركة بالساحل الغربي إن التصعيد الحوثي على مدينة المخا والمناطق القريبة منها تزامن مع إجراءات لإعادة توزيع بعض القدرات العسكرية الجوية والصاروخية بعيدًا عن المناطق الساحلية الأكثر عرضة للمراقبة والاستهداف.

وأوضحت المصادر أن هذا التحرك يأتي ضمن نمط انتشار متحرك يستهدف تقليل قابلية تلك القدرات للرصد والاستهداف، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرتها على التحرك والمشاركة في عمليات التصعيد عند الحاجة.

وأشارت المصادر إلى أن هذه التحركات جاءت عقب اجتماعات مكثفة عقدها ما يسمى بـ«المجلس الجهادي» التابع للميليشيا، لبحث خيارات التصعيد وآليات التنسيق بين القدرات المختلفة.

وشارك في تلك الاجتماعات، وفقًا للمصادر، عدد من القيادات العسكرية والأمنية العليا، إلى جانب مستشارين إيرانيين، على رأسهم نائب قائد «فيلق القدس» لدى الحرس الثوري، العميد عبدالرضا شهلائي، الذي عاد أواخر العام الماضي إلى صنعاء.

حضور إيراني في قلب القرار العملياتي

ويرى مراقبون أن وجود خبراء الحرس الثوري الإيراني يضيف بُعدًا جديدًا إلى التحول الذي تشهده منظومة القرار البحري الحوثي، إذ يعكس حجم ارتباط البيئة العملياتية للميليشيا بالخبرات الإيرانية وتقديراتها لمسارات الصراع الإقليمي.

ويبرز هذا الارتباط بصورة خاصة في الملفات المتعلقة بتطوير أدوات الضغط البحري، وإدارة المعلومات المرتبطة بالملاحة، إلى جانب توزيع القدرات العسكرية على الساحل الغربي بما يضمن قدرًا أكبر من المرونة في تنفيذ العمليات.

ولا يقتصر الدور الإيراني، وفق هذه الرؤية، على تقديم الدعم العسكري أو الفني، وإنما يمتد إلى المساهمة في تطوير آليات إدارة العمليات وتنسيق الأدوار بين الأجهزة المختلفة داخل منظومة الحوثيين.

تعدد مراكز النفوذ يفتح صراعًا داخل الحوثيين

لكن توسع دائرة إدارة العمليات البحرية لا يخلو من تعقيدات داخلية، في ظل تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام تنافس متزايد بين مراكز النفوذ داخل تركيبة ميليشيا الحوثي القيادية.

وأشار مرصد الأزمات المحلي «PTOC YEMEN»، في تقرير حديث، إلى تصاعد التوتر بين رئيس جهاز الأمن والمخابرات الحوثي عبدالحكيم الخيواني، ورئيس أركان القوات البحرية لدى الميليشيا منصور السعادي، على خلفية تدخل الجهة المرتبطة بالأول في بعض الإجراءات والأنشطة المتعلقة بالموانئ والملف البحري، دون تنسيق مع السعادي.

وذكر التقرير أن الخيواني يُعد من أبرز الشخصيات المرتبطة بالجانب الإيراني داخل بنية الحوثيين القيادية، وهو ما جعل الخلاف يتجاوز حدود الاعتراض الإداري إلى صراع على نطاق الاختصاص والنفوذ.

وبحسب التقرير، أدى هذا التوتر إلى انسحاب عدد من المشرفين المرتبطين بالقوات البحرية من بعض المواقع، في مؤشر على عمق الخلافات التي يمكن أن تنتج عن إعادة توزيع الصلاحيات داخل المنظومة الحوثية.

محاولات لاحتواء الخلافات.. والتوتر مستمر

وبحسب المعلومات المتداولة، حاولت قيادات عليا في صنعاء التدخل لاحتواء الموقف وإعادة ضبط الصلاحيات، بهدف منع انعكاس الخلافات الداخلية على مسار التصعيد البحري.

غير أن جهود الوساطة، وفقًا للتقرير، لم تنجح حتى الآن في إنهاء حالة التوتر بصورة كاملة، بما يكشف عن حجم التعقيدات التي تواجه الميليشيا في محاولتها توسيع نطاق إدارة هذا الملف الحساس.

وتشير هذه التطورات إلى أن إعادة تنظيم القرار البحري الحوثي لا ترتبط فقط بتطوير القدرات العسكرية والمعلوماتية، وإنما تفرض في الوقت ذاته إعادة توزيع للأدوار بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما قد يزيد من حدة التنافس بين مراكز النفوذ داخل الميليشيا.

البحر الأحمر أمام مرحلة أكثر تعقيدًا

ومع استمرار التحركات الحوثية على الساحل الغربي، وتوسيع دائرة الأجهزة المشاركة في إدارة الملف البحري، إلى جانب تنامي الحضور الإيراني، يبدو أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد هجمات متقطعة.

فمحاولة بناء منظومة تجمع بين جمع المعلومات والمراقبة والتصنيف الأمني والقدرات العسكرية، بالتوازي مع إعادة توزيع القوات والقدرات على الساحل، تعكس سعيًا لتحويل البحر الأحمر إلى مساحة ضغط مستمرة ضمن الحسابات الإقليمية للميليشيا.

وفي المقابل، فإن استمرار التنافس بين الأجنحة الأمنية والعسكرية وتعدد مراكز القرار قد يمثل تحديًا أمام الحوثيين أنفسهم، خاصة إذا تحول صراع الصلاحيات إلى عامل مؤثر في كفاءة إدارة العمليات البحرية.

وبين إعادة هيكلة القرار، وتوسيع نطاق التهديدات، والحضور الإيراني، والصراع الداخلي على النفوذ، تتجه معركة البحر الأحمر إلى أن تصبح أكثر ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية، فيما يبقى أمن الملاحة الدولية في باب المندب أحد أبرز الملفات المرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.

للمذيد من إعلانات العمل إلى خنادق أوكرانيا.. كيف تحولت أمريكا اللاتينية إلى خزان بشري لحرب روسيا؟

للمذيد الإظلام التام في السودان .. كيف يُجابه السودانيون انقطاع الكهرباء؟