أفادت مصادر سودانية مطلعة ، أن التحركات الرامية إلى حل كتيبة البراء بن مالك ، وإعادة تقديم حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم في إطار سياسي ، تندرج ضمن محاولة لإعادة ترتيب واجهة معسكر بورتسودان ، تحت وطأة الضغوط الخارجية ، للهرب من العقوبات، أكثر من كونها توجها نحو تفكيك فعلي للتشكيلات المسلحة المرتبطة به.
حيث قالت المصادر : إن الاختبار الحقيقي لهذه الخطوات لا يتعلق بإعلان حل كتيبة أو تحويل حركة مسلحة إلى حزب، وإنما بسحب السلاح وتفكيك هياكل القيادة والتمويل والتجنيد المستقلة، مؤكدة أن الوصول إلى هذه المرحلة سيصطدم بمقاومة قوية من التيار الإسلامي الذي لا يريد خسارة أبرز أدواته العسكرية التي عززت نفوذها خلال الحرب.
وأضافت أن قائد قوات بورتسودان ، عبدالفتاح البرهان ، بات يتحرك وسط ضغوط متعاكسة، فمن جهة يواجه مطالب خارجية متزايدة بمعالجة ملف جرائم الحرب و الميليشيات المسلحة، ومن جهة أخرى يحتاج إلى المحافظة على تماسك تحالفاته الداخلية التي تستند إلى قوى مسلحة وإسلامية شاركت في الحرب إلى جانب قواته.
وترى المصادر أن هذه المعادلة تدفع بورتسودان إلى إدارة الأزمة عبر تغيير شكل بعض حلفائها وأدوارهم، بدلا من الدخول في مواجهة مباشرة معهم، خصوصا في ظل تعثر محاولات البرهان لإطلاق مسار سياسي قادر على استقطاب القوى المدنية.
وبحسب المصادر، فإن توقيت الحديث عن حل كتيبة البراء بن مالك ، يكشف جانبا من دوافع التحرك ، بعدما أصبحت الكتيبة تمثل عبئا متزايدا على صورة معسكر بورتسودان خارجيا في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
كما يخضع جبريل إبراهيم لعقوبات أمريكية، بالتزامن مع استمرار الضغوط السياسية على معسكر بورتسودان، وهو ما يجعل إعادة ترتيب وضع القوى المتحالفة معه جزءا من محاولة تقديم صورة مختلفة للخارج.
وأوضحت المصادر أن بورتسودان تريد إرسال رسالة مفادها أنها بدأت التحرك باتجاه ضبط التشكيلات المسلحة وتوحيد القوى العسكرية، وأنها قادرة على إعادة تنظيم علاقتها بحلفائها الإسلاميين والمسلحين.
لكنها شددت على أن الإعلان عن حل كتيبة البراء يبقى الخطوة الأسهل، بينما تبدأ الصعوبة الحقيقية عند محاولة سحب أسلحتها وتفكيك قيادتها المستقلة ووقف مصادر تمويلها وإنهاء عمليات التجنيد التابعة لها.
وتبرز، بحسب المصادر، معضلة أخرى تتمثل في ضمان عدم انتقال عناصر الكتيبة وسلاحها وقياداتها ككتلة واحدة إلى تشكيل آخر، بما يجعل الحل شكليا ويعيد إنتاج البنية نفسها تحت اسم مختلف.
وأشارت المصادر إلى أن التشكيلات التي شاركت في الحرب راكمت خلال الفترة الماضية قدرات عسكرية وشبكات نفوذ ومصادر تمويل وخبرات قتالية، ما يجعل تفكيكها أكثر تعقيدا من مجرد إصدار قرار سياسي أو إداري.
وحذرت المصادر ، من أن أي محاولة قسرية لتجريد هذه القوى من السلاح قد تنقل التوتر إلى داخل معسكر بورتسودان نفسه، خصوصا مع وجود تيار إسلامي متشدد ينظر إلى استمرار التشكيلات المسلحة باعتباره ضمانة لتحقيق أهدافه العسكرية والمحافظة على نفوذه السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
وترى المصادر أن هذا العامل يضع حدودا لما يستطيع البرهان القيام به، إذ إن الذهاب بعيدا في تفكيك تلك التشكيلات قد يهدد تماسك التحالف الذي يستند إليه عسكريا.
وفي جانب ذلك، قال مصدر سياسي سوداني مقرب من حكومة "تأسيس" : إن الاتجاه نحو تحويل حركة العدل والمساواة إلى حزب سياسي يمكن قراءته ضمن مسار أوسع لإعادة تقديم حلفاء الحرب بواجهات سياسية، بالتوازي مع نقل قواتهم تدريجيا إلى المؤسسات العسكرية.
وأضاف مصدر : أن إعلان جبريل إبراهيم استعداد قوات حركته للاندماج مع قوات بورتسودان يجعل الربط بين المسارين ضروريا.
وأوضح أن المشهد، وفق قراءته، يتجه نحو نقل بعض القوى الحليفة من وضع التشكيلات المسلحة المستقلة إلى مكونات سياسية وعسكرية مدمجة داخل مؤسسات الدولة، محذرا من أن ذلك قد يتحول إلى "إعادة تدوير" للقوى والقيادات نفسها بدلا من إنهاء نفوذها.
ويرى المصدر أن بورتسودان تسعى من خلال هذه التحركات إلى تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: تخفيف الضغوط الدولية، وشراء مزيد من الوقت بعد تعثر مسار الحوار داخليا، وإعادة ترتيب وضع الحلفاء المسلحين قبل أي تسوية سياسية تضع ملف "الجيش الواحد" في صدارة التفاوض.
وأضاف أن المكسب السياسي والإعلامي المباشر يتمثل في إظهار بورتسودان وكأنها بدأت معالجة ظاهرة تعدد التشكيلات العسكرية، إلا أن نجاح العملية لن يقاس بعدد القرارات أو التغييرات في أسماء الكيانات.
وبحسب المصدر، فإن المعيار سيكون في ما إذا جرى بالفعل تسليم الأسلحة، وحل هياكل القيادة الموازية، ووقف التمويل المستقل والتجنيد، ثم تنفيذ عملية دمج فعلية ضمن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة وتحت سلسلة قيادة واضحة.
واعتبر أن الوصول إلى هذه المرحلة سيصطدم بمصالح التيار الإسلامي، الذي لن يكون مستعدا بسهولة للتخلي عن أدوات القوة التي راكمها خلال الحرب.
من جانبه، قال المحلل السياسي عمار سعيد : إن إعادة ترتيب الوضع العسكري والسياسي للقوى الإسلامية تنطوي على مخاطرة بالنسبة إلى البرهان نفسه، لأن الانتقال من الإجراءات الشكلية إلى تفكيك حقيقي قد يضعه في مواجهة مع أكثر القوى تشددا داخل معسكره.
وأضاف سعيد ، أن بقاء التغييرات عند مستوى تبديل الأسماء والواجهات سيجعلها في المقابل عرضة للانكشاف خارجيا باعتبارها محاولة لإعادة تسويق القوى نفسها من دون تغيير جوهري في بنيتها أو نفوذها.
ويرى سعيد أن المفارقة تكمن في أن بورتسودان لا تزال بحاجة إلى هذه القوى عسكريا في ظل استمرار الحرب، بينما تعمل في الوقت نفسه على إعادة صياغة وجودها استعدادا لأي ترتيبات سياسية لاحقة.
وحذر من أن الخطر لا يقتصر على استمرار تلك التشكيلات بوضعها الحالي، وإنما يمتد إلى احتمال نقل نفوذها من ساحات القتال إلى مؤسسات الدولة ومعادلة السلطة بعد إعادة تقديمها بواجهات سياسية وقانونية جديدة.
للمذيد "بناء سدود جديدة" اثيوبيا تفتح فصل جديد من الخلاف مع دول حوض النيل
للمذيد العراق يكثف الجهود لحصر السلاح بيد الدولة ويؤكد " الحشد الشعبي" جزء من منظومة الدولة
