في الوقت الذي أصبحت فيه الشكاوى الحكومية واحدة من أهم القنوات التي يلجأ إليها المواطن للتعبير عن مشكلاته وطلب التدخل لحلها، يظل السؤال الأهم: ماذا يحدث للشكوى بعد تسجيلها؟

فالمواطن قد ينجح في إرسال شكواه عبر المنظومة الإلكترونية أو إحدى القنوات الرسمية، ويحصل على رقم لمتابعتها، لكن رحلة الشكوى لا تنتهي عند هذه الخطوة، بل تبدأ بعدها سلسلة من الإجراءات تشمل فحصها، وإحالتها إلى الجهة المختصة، ثم متابعة الرد ومحاولة الوصول إلى حل.

ومن هنا يفتح الملف تساؤلًا أوسع حول مدى فاعلية منظومة الشكاوى الحكومية في تحويل صوت المواطن من مجرد بلاغ مسجل إلى مشكلة يتم التعامل معها وتنتهي بحل واضح.

من تسجيل الشكوى إلى البحث عن الحل

تبدأ رحلة الشكوى من المواطن، ثم يتم تصنيفها وتوجيهها إلى الجهة المختصة بحسب طبيعة المشكلة، لتبدأ بعدها عملية الفحص والتعامل معها من جانب الجهة المسؤولة.

لكن نجاح المنظومة لا يقاس بمجرد استقبال الشكوى أو إرسال رد إلى صاحبها، وإنما بمدى قدرة الجهة المختصة على معالجة المشكلة وإنهائها بشكل فعلي.

فالفارق كبير بين حصول المواطن على رد رسمي يفيد باتخاذ إجراء، وبين أن يرى تغييرًا حقيقيًا على أرض الواقع ينهي المشكلة التي دفعته إلى تقديم الشكوى.

الشكاوى التي لا تنتهي بحل

القضية لا تتعلق فقط بعدد الشكاوى التي يتم استقبالها، وإنما بمصير الشكاوى التي لا تصل إلى حل نهائي.

فقد تكون المشكلة مرتبطة بمرفق عام أو خدمة صحية أو مشكلة في وحدة محلية أو مخالفة أو تأخر في الحصول على خدمة، وقد يحصل المواطن على رد دون أن يرى تغييرًا ملموسًا في المشكلة التي تقدم بسببها بالشكوى.

وهنا تظهر أهمية وجود آليات واضحة لمتابعة الشكاوى حتى الوصول إلى نتيجة نهائية، مع قياس الوقت الذي تستغرقه كل شكوى ومدى رضا المواطن عن الحل الذي تم تقديمه.

كما أن تكرار الشكاوى بشأن المشكلة نفسها يمكن أن يكون مؤشرًا على وجود خلل أكبر يحتاج إلى تدخل من الجهة المسؤولة، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع كل شكوى باعتبارها حالة منفردة.

هل تتحول الشكاوى إلى أداة لتطوير الخدمات؟

منظومة الشكاوى يمكن أن تتجاوز فكرة استقبال مشكلات المواطنين إلى دور أكثر أهمية، يتمثل في الكشف عن نقاط الضعف داخل الخدمات الحكومية.

فإذا تكررت شكاوى المواطنين من مشكلة معينة في أكثر من محافظة، أو استمر تدفق الشكاوى المتعلقة بخدمة واحدة، فإن ذلك قد يكشف عن مشكلة تحتاج إلى معالجة من جذورها.

وبالتالي، يمكن الاستفادة من بيانات الشكاوى في تحديد أولويات العمل الحكومي، وتحسين الخدمات، ومعالجة أوجه القصور التي تؤدي إلى تكرار المشكلة، بدلًا من انتظار المزيد من الشكاوى.

المواطن يريد نتيجة وليس رقمًا

بالنسبة للمواطن، فإن قيمة منظومة الشكاوى تقاس في النهاية بالنتيجة التي يحصل عليها، وليس بمجرد تسجيل شكواه أو حصوله على رقم لمتابعتها.

فالمواطن الذي يعاني من مشكلة في خدمة أو مرفق لا يبحث فقط عن وسيلة لإيصال صوته، وإنما يريد أن يعرف أن شكواه وصلت إلى المسؤول القادر على حلها، وأن هناك إجراءً حقيقيًا تم اتخاذه لإنهاء المشكلة.

ومن هنا، فإن تطوير منظومة الشكاوى يحتاج إلى تعزيز المتابعة والشفافية، وإتاحة معلومات واضحة للمواطن عن مراحل التعامل مع شكواه، إلى جانب وجود آلية تتيح إعادة النظر في الحالات التي لم تنتهِ إلى حل فعلي.

وفي النهاية، تبقى قيمة منظومة الشكاوى الحكومية مرتبطة بقدرتها على الانتقال من تسجيل المشكلة إلى حلها، ومن التعامل مع الشكوى الفردية إلى اكتشاف الخلل الذي يسبب تكرارها، بما يجعل صوت المواطن جزءًا من عملية تحسين الخدمات وليس مجرد بلاغ جديد يضاف إلى قائمة الشكاوى.