قال أحمد العناني خبير العلاقات الدولية، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة تأتي في توقيت مهم بالنسبة للعلاقات المصرية الصينية، في ظل اتساع مجالات التعاون بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف "العناني"، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، لم يعد التعاون بين القاهرة وبكين مقتصرًا على التبادل التجاري، بل امتد إلى الاستثمار والصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا، إلى جانب التنسيق السياسي بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وتابع "العناني"، تطرح الزيارة فرصة لمناقشة مستقبل الشراكة بين البلدين، وما يمكن أن تحققه مصر من مكاسب خلال المرحلة المقبلة، خاصة في مجالات التصنيع، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الاستثمارات والصادرات.
العلاقات المصرية الصينية.. من التعاون إلى الشراكة
وأكد "العناني"، أن العلاقات بين مصر والصين شهدت تطورًا تدريجيًا خلال السنوات الماضية، وساهمت الزيارات المتبادلة بين قيادات البلدين في تعزيز التواصل السياسي والاقتصادي، وتوسع حضور الشركات الصينية في السوق المصرية من خلال عدد من المشروعات والاستثمارات في قطاعات مختلفة، وهو ما يعكس وجود مصالح مشتركة بين البلدين، وإن كانت طبيعة هذه المصالح تختلف من ملف إلى آخر، مضيفآ: ومع تطور العلاقات، انتقلت الشراكة المصرية الصينية من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة أكثر اتساعًا، تشمل مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتصنيع والطاقة والتكنولوجيا.
البعد الاقتصادي.. أساس الشراكة بين القاهرة وبكين
قال "العناني"، أن الموقع الجغرافي لمصر يمثل أحد أهم عناصر العلاقة مع الصين، فقناة السويس تعد طريقًا رئيسيًا لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، كما يمنح موقع مصر الجغرافي قدرة على الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.
وأوضح خبير العلاقات الدولية، أن بالنسبة للصين، فإن استقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد يمثل مصلحة اقتصادية مهمة، وهو ما يمنح مصر مكانة خاصة في الحسابات الصينية المتعلقة بالنقل والتجارة الدولية، مؤكدًا أن السوق المصرية تمثل فرصة للشركات الصينية، ليس فقط باعتبارها سوقًا محلية كبيرة، ولكن أيضًا باعتبار مصر بوابة يمكن من خلالها الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية.
مبادرة الحزام والطريق.. مصر في الحسابات الصينية
ونوه "العناني"، أن مبادرة الحزام والطريق تمثل أحد أهم الأطر التي تطورت من خلالها العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن الموقع الجغرافي لمصر جعل منها دولة مهمة في هذه المبادرة، خاصة مع وجود قناة السويس، التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط حركة التجارة بين شرق آسيا وأوروبا.
وتابع "العناني"، تبرز أهمية التعاون كذلك في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث يمكن للمشروعات الصينية الاستفادة من موقع مصر كمركز للتجارة والصناعة والتصدير، مضيفآ كما يرتبط وجود الاستثمارات الصينية في قطاعات مثل الصناعة والطاقة والنقل بفكرة ربط الأسواق وتطوير سلاسل الإمداد.
واستطرد "العناني"، من الجانب المصري، تمثل المبادرة فرصة لجذب استثمارات جديدة، وتطوير البنية التحتية، وزيادة القدرة على التصنيع والتصدير، مؤكدًا أن الاستفادة الحقيقية من هذه الفرص تتطلب التركيز بصورة أكبر على المشروعات التي تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد المصري، خاصة المشروعات الإنتاجية التي تسهم في نقل التكنولوجيا، وزيادة فرص العمل، وتعزيز الصادرات.
وتابع "العناني"، هنا تصبح قناة السويس والمنطقة الاقتصادية جزءًا من علاقة أوسع بين مصر والصين، لا تقتصر على مرور السفن أو تنفيذ مشروعات للبنية التحتية، وإنما تمتد إلى التصنيع والخدمات اللوجستية وربط مصر بالأسواق الأفريقية والعربية.
الاستثمارات الصينية.. فرص تحتاج إلى تعظيم
قال خبير العلاقات الدولية، أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية زيادة في التعاون مع الشركات الصينية في مجالات البنية التحتية والصناعة والطاقة والنقل، وتمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم المساحات التي يمكن من خلالها جذب المزيد من الاستثمارات الصينية، خاصة في الصناعات التي تستهدف التصدير إلى الأسواق الإقليمية.
وأضاف "العناني"، لكن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه الاستثمارات من مجرد مشروعات قائمة على السوق المحلية أو أعمال المقاولات والبنية التحتية، إلى استثمارات إنتاجية تسهم في زيادة التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتعميق المكون المحلي، وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية.
البعد السياسي.. تنسيق في القضايا الإقليمية والدولية
وأكد "العناني"، أن العلاقات المصرية الصينية لا تقوم على الاقتصاد فقط، بل تشمل أيضًا مستوى مهمًا من التواصل السياسي بين البلدين بشأن عدد من القضايا الدولية والإقليمية، ويأتي في مقدمة هذه القضايا تطورات الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، وأمن الملاحة البحرية، إلى جانب الأزمات والصراعات الإقليمية، ومنها التوترات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية.
وتابع "العناني"، كما تبرز أهمية التعاون من أجل تغليب المسارات الدبلوماسية والسياسية على التصعيد العسكري، خاصة في منطقة تشهد العديد من الأزمات والتوترات، مضيفآ في هذا الإطار، تحرص القاهرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، وهو ما يجعل العلاقة مع الصين جزءًا من سياسة أوسع تقوم على تنويع الشراكات الخارجية وعدم الاعتماد على طرف دولي واحد.
البعد الأمني.. البحر الأحمر وأمن الملاحة
وأكد "العناني"، أن البحر الأحمر وقناة السويس يعتبر ملفًا مهمًا في العلاقات المصرية الصينية، خاصة في ظل الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة البحرية خلال الفترة الأخيرة، مؤكدًا أن اي تراجع في حركة السفن عبر قناة السويس يؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري، كما يؤثر في حركة التجارة الدولية ويرفع تكاليف النقل والتأمين.
وتابع "العناني"، بالنسبة للصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد البحرية، فإن استقرار طرق الملاحة يمثل أهمية اقتصادية واستراتيجية، منوّهًا من هنا، تتقاطع المصالح المصرية والصينية في الحفاظ على أمن الملاحة البحرية واستقرار الممرات التجارية الدولية.
مصر والصين في ظل التنافس على النظام الدولي
استطرد "العناني"، العلاقات المصرية الصينية تأتي في ظل استمرار المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما يضع الدول المتوسطة والإقليمية أمام حسابات دقيقة في إدارة علاقاتها الخارجية، مضيفآ أن تتبنى مصر في هذا الإطار سياسة تقوم على تنويع الشراكات وعدم الدخول في تحالفات مغلقة، بما يسمح لها بالحفاظ على علاقات مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا والقوى الإقليمية في الوقت نفسه.
وتابع "العناني"، تمنح هذه السياسة القاهرة مساحة أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية، والاستفادة من علاقاتها مع مختلف القوى الدولية بما يخدم المصالح الوطنية المصرية.
بريكس.. مساحة جديدة للتعاون
قال خبير العلاقات الدولية، تمنح عضوية مصر في مجموعة بريكس بعدًا إضافيًا للعلاقات المصرية الصينية، خاصة مع وجود فرص للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري بين الدول الأعضاء، مضيفآ كما يمكن لمصر الاستفادة من وجودها داخل المجموعة في فتح مجالات جديدة للتعاون مع الأسواق الآسيوية والأفريقية، وتعزيز دورها كمركز للتجارة والاستثمار.
وأوضح "العناني"، تمثل الصين أحد أهم القوى الاقتصادية داخل المجموعة، وهو ما قد يوفر فرصًا إضافية لتطوير التعاون المصري الصيني خلال السنوات المقبلة.
مآلات الزيارة ومكاسبها بالنسبة لمصر
وأكد "العناني"، أن مصر تحتاج إلى أن يكون التعاون مع الصين خلال المرحلة المقبلة أكثر ارتباطًا بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا، موضحًا لذلك يمكن أن تركز المباحثات بين الجانبين على جذب استثمارات جديدة في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة، إلى جانب تطوير المشروعات القائمة وزيادة مشاركة الشركات الصينية في الاقتصاد المصري، مضيفآ كما يمثل ملف التصدير نقطة مهمة، خاصة إذا تمكنت الشركات الصينية من استخدام مصر كقاعدة للإنتاج والتصنيع والتصدير إلى الأسواق العربية والأفريقية.
ومن أهم المكاسب التي يمكن أن تسعى مصر إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة:
زيادة الاستثمارات الصينية في القطاعات الإنتاجية.
نقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية.
دعم التصنيع المحلي وتعميق المكون المصري.
زيادة الصادرات إلى الأسواق العربية والأفريقية.
توفير فرص عمل جديدة.
تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
تعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز صناعي وتجاري.
مآلات الزيارة ومكاسبها بالنسبة للصين
أوضح "العناني"، أن الصين تحتاج إلى شركاء مستقرين في منطقة استراتيجية مثل الشرق الأوسط، وتتمتع مصر بمكانة مهمة في هذا السياق، مؤكدًا أن موقع مصر الجغرافي، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية، وحجم السوق المحلية، كلها عوامل تمنح القاهرة أهمية خاصة بالنسبة لبكين، ما تمثل مصر بوابة مهمة للوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وهو ما يتوافق مع المصالح الصينية المرتبطة بالتجارة والاستثمار وتنفيذ مشروعات مبادرة الحزام والطريق.
وبالتالي، فإن استمرار تطوير العلاقات مع القاهرة يحقق لبكين مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية، خاصة في ظل أهمية مصر داخل المنطقة العربية والقارة الأفريقية.
المصالح المشتركة.. من الاتفاقيات إلى التنفيذ
قال "العناني"، يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصيني باعتبارها فرصة لدفع العلاقات بين البلدين إلى مرحلة أكثر عملية، مضيفآ المقياس الحقيقي لنجاح الزيارة لن يكون فقط في حجم البيانات أو الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما في قدرة الطرفين على تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشروعات حقيقية واستثمارات تدخل حيز التنفيذ، منوّهًا بالنسبة لمصر، فإن الأولوية يجب أن تكون للمشروعات التي تسهم في نقل التكنولوجيا وزيادة الإنتاج والصادرات وتوفير فرص العمل، مضيفآ أما بالنسبة للصين، فإن تطوير التعاون مع مصر يوفر لها شريكًا مهمًا في منطقة استراتيجية، إلى جانب فرصة للوصول إلى أسواق جديدة وتعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا والشرق الأوسط.
وفي ختام تصريحاته أكد خبير العلاقات الدولية أحمد العناني، أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت واحدة من العلاقات المهمة بالنسبة للقاهرة، كما تمثل مصر شريكًا له أهمية خاصة بالنسبة لبكين، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التركيز بصورة أكبر على النتائج الاقتصادية الفعلية، خاصة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والتصدير.
وتبقى زيارة الرئيس الصيني فرصة لتطوير المشروعات القائمة وفتح مجالات جديدة للتعاون، مع ضرورة أن ترتبط أي شراكات جديدة بتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري.
وفي النهاية، فإن نجاح العلاقات المصرية الصينية لن يقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة أو حجم التصريحات السياسية، وإنما بقدرة هذه الشراكة على تحقيق مصالح ملموسة للطرفين، وتحويل التعاون السياسي والاقتصادي إلى مشروعات وفرص حقيقية على أرض الواقع
